14-julio-2026
من يمتلك المعرفة يمتلك المستقبل
طلال أبوغزاله
لطالما كان السؤال الذي يحدد مكانة الافراد والدول واضحا على مدى قرون ومرتبطا بالملكية أي كم تمتلك، والاجابة كانت تقاس بالأموال المنقولة وغير المنقولة وعدد المصانع ومقدار الاحتياطات.
عندما كانت الموارد المادية هي المحرك الرئيس للإنتاج نحج هذا المعيار في تفسير القوة الاقتصادية خلال الحقبة الزراعية فالصناعية لكن القرن الحالي يفرض اسئلة مختلفة وأكثر عمقا مثل ماذا تعرف وماذا تستطيع ان تبتكر.
قد يقول قائل وهل ذلك يعني أننا امام نهاية عصر الأصول التقليدية والاجابة قولا واحدا لا لكننا أمام انتقال مركز الثقل من الاقتصادي المادي إلى المعرفي بحيث يصبح رأس المال البشري والأصول المعرفية والخوارزميات والملكية الفكرية والبيانات مثل البرمجة التفاعلية المسماة بالذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء أصولا تنتج القيمة بوتيرة أسرع من أي أصل مادي وليس في ذلك أي تناقض، بل تكامل لان الاقتصاد المعاصر الأكثر تنافسية هو الذي ينجح في دمج المعرفة مع القدرة التصنيعية.
معروف أن مصانع القرن الحادي والعشرين ليس مجرد آلات، بل عقدة ضمن منظومة معرفية فيها التصميم والبرمجيات وتحليل البيانات وسلاسل التوريد الذكية ومن دون الطبقة المعرفية والابتكارية تفقد الأصول المادية جزء كبير من قدرتها على التحول لقيمة متجددة.
لنقل ان بناء مصنع جديد قد يستغرق سنوات ويحتاج إلى استثمارات مليونيه بينما ابتكار تقني واحد او منصة رقمية ناجحة ومفيدة أن يصل إلى مئات ملايين المستخدمين حول العالم في فترة زمنية قصيرة نسبيا أي أن براءات الاختراع والبرمجيات والخبرات المتراكمة والثقافة المؤسسية كلها أصول غير ملموسة لكنها قادرة على توليد ثروات تتجاوز في أثرها كثيرا من الأصول التقليدية.
طبعا هذا يقودنا إلى حقيقة أن المنافسة الحقيقية بين الدول لم تعد مقتصرة على وفرة راس المال والموارد على أهميتها، بل تدور حول القدرة على انتاج المعرفة وتحويلها إلى ابتكار ثم منتجات ذات قيمة مضافة وذلك يتأتى من خلال الاستثمار في التعليم المتقدم ونفض الأنظمة التقليدية التلقينية والبحث العلمي وريادة الاعمال والتقنيات الناشئة.
وينطبق الأمر ذاته على الشركات والافراد فالكل اليوم امام سرعة التعلم وجودة الكفاءات والقدرة على الابتكار المستمر واستيعاب التحولات التقنية أي أن المعرفة لم تعد وسيلة للحصول على وظيفة وانما أصلا اقتصاديا يمكن استثماره والبناء عليه
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني التقليل من أهمية الأصول المالية والعقارية. فهي ستظل عناصر أساسية في بناء الثروة وحمايتها وتنويعها. لكن ما تغير هو ترتيب الأولويات؛ والدول والمؤسسات والأفراد الذين يدركون هذه الحقيقة مبكرًا هم الأكثر قدرة على قيادة المستقبل