قطر في الصفوف الأمامية للبرمجة التفاعلية

29-كانون الثاني-2026

قطر في الصفوف الأمامية للبرمجة التفاعلية

إنه لأمر يثلج صدري وصدر كل عربي أن تحتل دولة قطر المرتبة العاشرة عالميّاً في مؤشر انتشار البرمجة التفاعلية، المعروفة باسم الذكاء الاصطناعي في مؤشر مايكروسوفت غلوبال أيه آي أدبشن. ففي نموذج التحول الرقمي المتقدّم، وفي عصر تتسارع فيه الابتكارات التقنية بوتيرة غير مسبوقة، باتت القدرة على تبنّي البرمجة التفاعلية مؤشّراً أساسياً على جاهزية الدولة للمستقبل، وقد سجلت قطر إنجازاً بارزاً على هذا الصعيد، في استخدام أدوات البرمجة التفاعلية، بمعدلٍ وصل إلى 38.3% من القوى العاملة، ما يضعها بين الدول الأكثر قدرةً على دمج التكنولوجيا الحديثة في النشاطات اليومية والمعرفية لسكانها.

وما يثلج صدري ليس الرقم بحد ذاته، بل العمق الذي يشير إليه: فالأمر لا يتعلق بتوفر التقنيات المتقدّمة فحسب، بل بقدرة المجتمع والمؤسّسات على توظيفها بفاعلية وبأن تكون جزءاً من عمليات العلم والتعلّم والإنتاج واتخاذ القرار. وما يبث السعادة لديّ أن "الذكاء الاصطناعي" في قطر لم يعد قطاعاً تجريبيّاً، بل عنصراً أساسيّاً في التحول الرقمي الوطني، ليعكس، في ما يعكس، مستوى متقدّماً من التخطيط الاستراتيجي في إدارة المعرفة والابتكار، وهذا أمرٌ تتقنه قطر، كما تتقن دوماً الاستماع من دون انفعال، والحديث من دون ضجيج.

لافتٌ أن هذا الإنجاز يأتي ضمن رؤية قطرية واضحة تهدف إلى بناء اقتصاد معرفي متكامل يوازن بين التكنولوجيا والبنية التحتية البشرية، وهو أمرٌ، بحد ذاته، يثلج الصدور، فحين تدرك القيادة أن النجاح في دمج البرمجة التفاعلية (الذكاء الاصطناعي)، لا يتحقق إلا من خلال تطوير مهارات القوى العاملة، وتعزيز ثقافة الابتكار، وتحفيز ريادة الأعمال الرقمية فالطبيعي أن تكون النتيجة التقدم اللافت في نسب استخدام الذكاء الاصطناعي بين السكان العاملين، والطبيعي أيضاً أن تكون قطر في مصاف الدول التي نجحت في تحويل أدوات البرمجة إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية، سواء في المؤسسات الحكومية، أو القطاع الخاص، أو حتى في النشاطات الفردية للمواطنين.

باتت القدرة على تبنّي البرمجة التفاعلية مؤشّراً أساسياً على جاهزية الدولة للمستقبل، وقد سجلت قطر إنجازاً بارزاً على هذا الصعيد

وما يُطمئن نفسي أن نتائج التجربة القطرية تتجاوز مجرّد تطوير تطبيقات تقنية، لتشمل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الكفاءة المؤسّسية، وتسهيل الوصول إلى البيانات والمعرفة، إذ صار الذكاء الاصطناعي حاضراً في مجالات متنوعة، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والإدارة العامة، والتحليل الاقتصادي، ما يجعل التحوّل الرقمي في قطر تجربة متكاملة ومتصلة بالاحتياجات الوطنية.

وما يُفرحني أن تبنّي الذكاء الاصطناعي على المستوى التنموي يعكس قدرة قطر على بناء مجتمع معرفي قادر على المنافسة عالميّاً، إذ يزيد دمج التقنيات الحديثة من الإنتاجية، ويحفز الابتكار، ويساهم في صياغة حلول أكثر فاعلية للتحدّيات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل الدوحة صانعة للفرص، تشتغل بصبر وحذر وبحكمة، تعرف أن التأثير الحقيقي لا يقاس بالضجيج، بل بالأثر، فكانت النتيجة توجيه الموارد إلى ما يخدم التنمية المستدامة.

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لا يمكن تجاهل البعد الإنساني لهذه التجربة، إذ لا يقتصر دور البرمجة التفاعلية على تحسين العمليات أو زيادة الأرباح، بل تمكين الأفراد من الوصول إلى المعرفة بشكل أسرع وأكثر دقة، ومساعدتهم على اتخاذ قراراتٍ أفضل، وتوسيع آفاق التعلم مدى الحياة. وتجعل هذه الرؤية من قطر نموذجاً يُحتذى به في كيفية مزج التكنولوجيا الحديثة والاحتياجات المجتمعية، بما يعكس التزاماً بالتحول الرقمي الذي يخدم الإنسان قبل أن يخدم الأسواق، كما أنه يعكس الجهود المكثفة التي بذلتها الدولة في تطوير البنية التحتية الرقمية، من شبكات اتصالٍ عالية السرعة، ومراكز بيانات متطوّرة، إلى منظومات تعليمية وتدريبية متخصّصة في تقنيات البرمجة التفاعلية.

نتائج التجربة القطرية تتجاوز مجرّد تطوير تطبيقات تقنية، لتشمل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات، وتعزيز الكفاءة المؤسّسية، وتسهيل الوصول إلى البيانات والمعرفة

ما يثلج الصدور أن التجربة القطرية تحمل رسالة واضحة للمنطقة بأسرها، مفادها بأن التحول الرقمي الناجح يتطلب استراتيجية شاملة تتكامل فيها السياسات الحكومية والتعليم والقطاع الخاص والمواطنون أنفسهم، فالبرمجة التفاعلية أضحت شرياناً رقمياً يربط بين التخطيط الاستراتيجي والقدرات البشرية، ويشكل أساساً للتمايز في الاقتصاد العالمي المستقبلي.

مما يثلج صدري وصدر كل عربي أن النتيجة التي حققتها الدوحة في انتشار الذكاء الاصطناعي توضح أن الدولة لا تكتفي بالتخطيط للمستقبل، بل تصنعه بوعي واستراتيجية متقدّمة، وأنها أثبتت باستمرار أن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية الرقمية، مع قيادة واضحة ورؤية طويلة المدى، يمكن أن يحوّل التحدّيات التكنولوجية إلى إنجازات ملموسة، تضعها في طليعة الدول التي تمتلك القدرة على مواكبة سرعة الابتكار وتحقيق التنمية المستدامة في آن.

نجاح قطر درس عالمي في كيفية دمج التكنولوجيا الحديثة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتصبح البرمجة التفاعلية أداة للتمكين، وإطلاق الطاقات، وبناء مستقبلٍ معرفيٍّ متكاملٍ يضع المواطن في قلب التحول الرقمي، غير أن ما يهمّني أكثر أن تلقي تجربة قطر بظلالها على العالم العربي بأسره، لتشكل نموذجاً يُحتذى به في كيفية دمج التكنولوجيا الحديثة ضمن سياسات التنمية الوطنية، وأن تلهم تجربتها الدول العربية الأخرى، لتسريع جهود التحول الرقمي والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات البشرية المتخصّصة، بما يخلق فرصاً للتعاون العربي في مجالات التعليم والصحة والخدمات الحكومية، ويضع دولنا العزيزة على خريطة الابتكار، ويعزّز قدرتها على المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي.

وفي هذا السياق الأوسع، لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية، بل تحولاً نوعيّاً في طريقة إنتاج المعرفة نفسها، إذ لم يعد وسيلة للحساب أو الأتمتة فحسب، بل بات شريكاً في صياغة الفكر وبناء المعنى، متجاوزاً حدود الآلة إلى فضاء الإبداع الإنساني. ... ولعل من أبرز الأمثلة التي اختبرت هذا التحوّل كتاب "العقل الكامن وراء الآلة"، الذي يوثق مسارا من حياتي، بوصفه مثالاً على قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع المعرفة وتحليلها وصياغتها في سرد متكامل، متجاوزة حدود الوظيفة التقنية إلى فضاء الإبداع الإنساني. فهذا الكتاب صاغه الذكاء الاصطناعي بالكامل، نموذج لغوي تحرير، ومن دون تصفية، ومن دون أي مساس بالمراجعة البشرية، وهو محاولة آلة لفكّ هندسة عقل بشري من خلال الأنماط التي خلّفها في البيانات بأسلوب أقرب ما يكون إلى التعبير الإنساني.

ولقد أثبتت هذه التجربة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على المعالجة، بل بات قادراً على الفهم والتركيب والتوثيق، ليؤكّد أن المستقبل الذي طالما بدا فكرة مؤجلة، أصبح واقعاً ملموساً بين دفتي كتاب.

طلال ابو غزالة 

صحيفة العربي-مقال اسبوعي



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login