استهداف الثقافة في لبنان فعل لا يغْتَفَر

01-آذار-2026

استهداف الثقافة في لبنان فعل لا يغْتَفَر

د. طلال أبوغزاله

ليس الاسم "طلال " وحده هو الذي يجمعني مع الشاعر اللبناني الكبير "طلال حيدر " بل يجمعني معه حبّ لبنان، وحبّ فيروز، وحبّ الكلمة كذلك.. وصحيح أنّنا نسير في اتّجاهين مختلفين ربّما، فهو التزم الكتابة وسخّر نفسه للفنّ والقصيدة والأغنية الراقيّة.. وصحيح أنني لم أنتهج المنهج ذاته، إلا أنني أسمع الشعر المحكي من طلال حيدر وأسعد به، وأسمع القصيدة المُغنّاة لطلال حيدر وأُطربْ لها فرائعة فيروز بكلمات الشاعر حيدر "وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان " تصلح لليوم والغد ولكل جيل من أجيال المستقبل، ولا أكتفي بتلك الدُرر المُغنّاة بل أقرأ له أحياناً وأقرأ عنه مراراً، وأصغي لمقابلاته المتلفزة وأكنّ له دائماً التقدير والإعجاب، تماماً كما كنت أتابع الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل، وأتابع أيضاً الشاعر الراقي جوزيف حرب، وهؤلاء جميعهم، شكّلوا ذاكرة الثقافة اللبنانيّة، وحجزوا لهم في الوجدان العربي بصوت السيدة "فيروز " مكانة لائقة جداً، فالبعض منهم رحل، والبعض منهم شاخ، وبقي صوت السيدة فيروز نضراً وطرياً وصافياً ونقيّاً له حضوره الدائم في صباحاتنا، وبعض مساءاتنا، وطرقاتنا الممتدّة عبر اللحن الأصيل والكلمة الهادفة مهما أوغلت في البساطة، يرافقنا عبر دروبنا قاطبة صوت السيدة فيروز ليمنحها كل الامتيازات حيث تظلّ المقصد الأوّل لعتبة كل نهار من نهارات الكبار والصغار، والأمّة العربية من محيطها إلى خليجها، تتّفق على أنّ الأغنية التي تشكّلت في ظلّ الرحابنة والشعراء الأوائل، لن تذبل مهما تعاقبت عليها الأيام، والمتغيرات.

ما ورد أعلاه ليس استهلالاً عادياً، بل ذاكرة حاضرة لتاريخ متواصل كشريان، أود أن أكتب عنه مطوّلاً فور توفّر الوقت، لكنني أكتبه الآن هنا وبكثير من الإيجاز، بعدما تابعتُ مؤخّراً مقطعاً مصوّراً للشاعر اللبناني الكبير طلال حيدر، وهو يشارك جمهور ال"Social media  "، الكارثة التي أعاثتها غارة "إسرائيليّة " غادرة في "داره " وقد تحوّل بيت الشاعر في البقاع اللبناني إلى فوضى عارمة نتيجة اقتلاع الأبواب والشبابيك وتحطيم الأثاث، وبعض الجدران، وصحيح أن إسرائيل قد اعتادت تصدير المشهد على امتداد بلاد الشام، فالصورة ذاتها لطالما رأيناها في -فلسطين - المحتلّة، وخاصة "غزّة " التي لم تبقِ فيها حجراً على حجر وما تزال تواصل شراستها رغم اتفاقيّة وقف إطلاق النار، وأيضاً في  سوريّا ثمة استهدافات متواصلة لجميع العتاد العسكري والثكنات، ولم تسلم المواقع العلمية وكذلك مراكز الأبحاث، ناهيك عن تدمير أكثر من 80% من الجنوب اللبناني، ومنطقة الضاحية الجنوبيّة والبقاع اللبناني الذي شرّد آلاف العائلات دون مراعاة لموسم أو لظرف أو لأطفال أو مسنّين.

لا شكّ أنّ الفيديو المُسجّل للشاعر طلال حيدر ساهم في استياء الشارع العربي تماما كما شهده الشارع اللبناني إن لم أقل أكثر كما ساءني تماماً، والاستنكار الذي أعرب عنه الجميع عبر مواقع التواصل ليس مجرّد تعاطف مع خسارات ماديّة سجّلتها عدسة الكاميرا في بيت الشاعر الكبير، بل تراكم التعليقات من كل حدبٍ وصوب يعكس صرخة بمعنى الكلمة في وجه هذه الغطرسة الإسرائيليّة التي لا تعرف لها حداً، بل هو نقمة على تلك الهمجيّة التي لا تميّز بين جبهة مقاومة، وصومعة ثقافيّة، ومن الواضح إسرائيل التي تسعى لنهب الأرض قضمة قضمة، هي بالوقت عينه تسعى لتدمير تاريخ المنطقة الحضاري والثقافي والمعرفي والإبداعي كذلك، فهي نهبت الكثير من التراث الحضاري والموروث الشعبي، وما عجزت عن نهبه فلن تتوانى عن تدميره، وبيت الشاعر طلال حيدر خير مثال.

وأنا مع الشاعر حيدر الذي صرّح في الفيديو المنشور بأنّ "الحضارة لا تُبنى بالسلاح فقط بل بالعلم والفن والثقافة التي تشكّل جميعها أسلحة حقيقيّة للمواجهة"، فما أحوجنا اليوم كما أقول على الدوام وأنادي بضرورة العودة إلى نهضتنا العلميّة وتوطيد وشائجنا المعرفيّة وتوثيق حضورنا الثقافي بين الشعوب والأمم على مرأى العالم، وليكن معلوماً لدى إسرائيل ولدى من يدعمها أن البيت اللبناني الذي استضاف أحلام جيل كامل، قد يسقط جداره، ويتلف أثاثه، وينهار سقفه، لكنّ سماء لبنان البهيّة ستبقى تُظلّل كل من قرأ بيتاً لطلال حيدر أو مجّد لبنان في صوته كما فعلت السيدة فيروز ومعها الرحابة الذين أبدعوا في تجسيد البيئة وتعزيز خريطة الوطن العربي التي تجمعها العادات والتقاليد واللغة والمصير ولم تفرّقها السياسة مهما اختلفت، ولم تقتلعها الحروب مهما تمادت واستبدّت..



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login