فقر المحتوى العربي في زمن الاقتصاد الرقمي

18-كانون الثاني-2026

فقر المحتوى العربي في زمن الاقتصاد الرقمي

طلال ابو غزالة 

صحيح أن الأمية الرقمية بمعناها التقليدي ولت وانقضت في عالمنا العربي، وأضحى الوصول إلى المعلومة متاحًا ربما للجميع، لكن ذلك لا يعني مطلقا أننا دخلنا عصر الإنتاج الأصيل للعلم والمعرفة.
فبينما تتسع رقعة الثورة المعلوماتية بشكل غير مسبوق، ويزداد عدد مستخدمي الإنترنت في عالمنا العربي بمعدل نمو سنوي يقارب 7 %، تظل مساهمتنا في المحتوى الرقمي العالمي أقل من 3 %، لتعكس فيما تعكس خللاً عميقًا في ميزان القوى المعرفية والتأثير الاستراتيجي، حيث يتحول ملايين المستخدمين من منتجين للمعنى إلى مستهلكين لما تنتجه لغات وثقافات مهيمنة، وعلى رأسها الإنجليزية لنعود مجددًا إلى التبعية المعرفية الرقمية.
 ولأن الاستثمار في جودة المحتوى هو استثمار في الاقتصاد الوطني، ومن ثم فإنه قضية سيادية بالمعنى الأوسع للكلمة فالمحتوى المحترم، سواء في الاقتصاد أو العلوم أو الثقافة، لا يولّد قيمة معرفية فحسب، بل يسهم مباشرة في تحريك الأسواق الرقمية، وتعزيز الناتج المحلي، وجذب الاستثمار الأجنبي، وغياب المحتوى العربي القوي يجعل المنطقة معرضة لتبعية خفية؛ وأمن معرفي وهن أمام خوارزميات لا تراعي الخصوصية الثقافية أو المصالح القومية. 
من الناحية التاريخية، يمكن مقارنة هذا الوضع بما واجهته بعض الدول الآسيوية في منتصف القرن العشرين، حين كانت تعتمد على المحتوى العلمي والتقني الغربي، قبل أن تستثمر في بناء أنظمة بحث محلية قوية، فانتقلت تدريجيًّا من مستهلكة للمعرفة إلى صانعة لها، أما نحن فلا تكفي الترجمة الآلية أو نسخ النماذج الغربية لإحداث تحوّل مماثل؛ إذ تبقى الكلمة المستعارة باهتة دون سياق محلي، وعاجزة عن خلق القيمة الاقتصادية المعرفية. 
ومع ظهور وتسارع البرمجة التفاعلية المسماة بالذكاء الاصطناعي قد يتضاعف حجم المحتوى العربي بشكل سريع لكنه كمي وليس نوعي ليعكس الواقع المحلي، ويخاطب الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العربي، ويكون قادرًا على المنافسة على مستوى الأسواق العالمية.  
الرؤية الحضارية للإنتاج العلمي الرقمي هي التي تصنع الثقة، والثقة هي العملة التي تدفع عجلة الاستثمار، سواء في التجارة الإلكترونية أو في الاقتصاد المعرفي، وغياب المحتوى الرصين يمتد إلى التضخم المعرفي، حيث يؤدي الاعتماد على محتوى خارجي إلى تكاليف خفية بينما المحتوى الحضاري يخلق بيئة اقتصادية أكثر مرونة، ويعزز استدامة سلاسل الإمداد المعرفية والتقنية، ويتيح للنخب الأكاديمية والإدارية اتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على بيانات دقيقة ومؤثرة.
وأقول دومًا إن بناء المناعة المعرفية يبدأ من تغيير النظرة المؤسسية إلى الإنترنت، من مجرد أداة تواصل إلى مساحة سيادية للإنتاج القومي، وهذا التحوّل يتطلب استراتيجيات متكاملة من مثل دعم حاضنات المحتوى، والاستثمار في تعليم متخصص يواكب الاقتصاد الرقمي، وربط الإنتاج الرقمي بالأسواق المحلية والإقليمية، فالتحدي الحقيقي ليس مجرد ملء الفراغ الرقمي، بل خلق محتوى يحول الحضور العربي على الشبكة إلى قوة معرفية واقتصادية فاعلة. دائمًا يعلمنا التاريخ أن الأمم التي تتحكم في إنتاج المعرفة هي نفسها التي تصنع اقتصادها الحديث وتحدد مستقبلها الاستراتيجي، والاستثمار في المحتوى العربي استثمار مباشر في نمو الاقتصاد الوطني، وتعزيز القدرة التنافسية، وتأمين سيادة معرفية قادرة على مواجهة التحولات الرقمية القادمة حتى يصبح المحتوى العربي، كما كانت الكتب والمكتبات قبل الغزو المغولي لبغداد، أعظم دور العلم والمعرفة والفكر الإنساني وحجر الزاوية لبناء قوة اقتصادية وسياسية مستدامة في عالم يتسارع فيه كل شيء باستمرار.



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login