اقتصاد عالمي هشّ ومترابط

04-كانون الأول-2025

اقتصاد عالمي هشّ ومترابط

لقد أظهر الاقتصاد العالمي قدرة ملحوظة على الصمود على الرغم من مرور العالم بأوقات عصيبة، حيث تتجه الولايات المتحدة نحو الانعزال بسياسات حمائية وفرض رسوم جمركية، إضافة إلى الحروب التي تشتعل في مناطق مختلفة من العالم، وتفاقم الديون، واستمرار الآثار المدمّرة لتغيّر المناخ.

حول هذا الموضوع، يقدّم المعلّق الاقتصادي مارتن وولف في مقاله الأخير في صحيفة فايننشال تايمز تحليلًا ممتازًا حول كيفية تكيّف العالم مع هذا الاضطراب. فقد أعادت الشركات تنظيم سلاسل التوريد وزادت من تخزين السلع، بينما تحمّل المستهلكون جزءًا من الضغوط، وبقيت الأسواق المالية متماسكة رغم التراجع الذي حدث في وقت سابق من هذا العام عند إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية الأمريكية. كما أظهرت الحكومات انضباطًا ماليًا أفضل مما كان عليه الحال في الأزمات السابقة، من خلال إدارة الميزانيات والسياسات الاقتصادية بحكمة وحذر.

ومع ذلك، يشير وولف إلى أن الأمور ليست على ما يرام تمامًا. فالدين الأمريكي ما زال يرتفع، وإنفاق ترامب لا يعرف حدودًا، كما أن التوترات التجارية مع الصين ما تزال قائمة من دون حل. وتعاني العديد من الدول من صعوبة التكيّف مع هذا الواقع الاقتصادي الجديد، وتكافح من أجل البقاء. أما الدول الفقيرة فهي الأكثر عرضة للخطر، خاصة مع التخفيضات الكبيرة في برامج الصحة والتنمية العالمية التي تموّلها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومع تحذير البنك الدولي من أزمة وشيكة إذا لم تُسدّ فجوات التمويل.

ويمضي وولف في الإشارة إلى أن وراء هذه التحديات المباشرة أسئلة هيكلية أعمق. فالذكاء الاصطناعي يقود الاستثمارات ويغذّي التفاؤل، لكنه في الوقت ذاته يثير تحديات تتعلق بالوظائف والتنظيم. كما أن تغيّر المناخ بدأ بالفعل في تعطيل سلاسل التوريد والإنتاج الغذائي، رغم أن تكلفته الحقيقية لا تزال غير منعكسة بالكامل في التوقعات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، تنفق الحكومات والشركات مبالغ متزايدة على خدمة الديون، مما يترك مجالًا أقل للاستثمار الجديد.

وأرى أنه من الضروري أن ندرك أن المرونة لا تعني القوة. لقد امتصّ الاقتصاد العالمي الصدمات واحدة تلو الأخرى، لكنه لا يزال هشًّا، بينما يشدد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على أنه لا يمكن لأي دولة أن تقف بمفردها. وفي هذه الأوقات، أرى أن التعددية والتعاون الدولي ضرورة حتمية إن أردنا ضمان البقاء.

إن الاقتصاد العالمي يوازن بين عوامل كثيرة، ويمشي على حبل مشدود بين التكيّف والهشاشة. لقد أظهر قدرة على التحمل، لكن التحمل لا يعني الاستقرار. ومن دون إدارة دقيقة وتجديد التعاون، قد تتحول مرونتنا الحالية إلى مشكلات أعمق قد لا نستطيع التعافي منها في المستقبل.

لا أعلم كم من الصدمات الأخرى يمكن لاقتصادنا العالمي أن يتحمل قبل أن ينهار تمامًا. علينا أن نجد الطرق لتفادي ذلك، وترسيخ الاستقرار العالمي لبناء عالم مزدهر وآمن للجميع.

د. طلال أبوغزاله




AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login