الحصانة الإقتصادية.. أوّل أولويات السيادة

05-أيار-2026

الحصانة الإقتصادية.. أوّل أولويات السيادة

د. طلال أبوغزاله

      كنتُ قد تحدّثت في مقال سابق عن الاستعداد السيادي وليس السياسي وحسب، واعتقد أنّ هذا الموضوع ثري لدرجة أنّني كلما وصلتُ لمنعطفٍ ختاميٍّ لهذه الرؤية، وجدّتني أمام مفترقات متشعّبة لا تقلّ أهميّة عن المحور الأساس في هذا الطرح، وجميعنا يعلم أن جميع البلاد عموماً والعربيّة خصوصاً، تشعر بالزلزال السياسي الذي يُهدد جميع الأطراف المتنازعة وغير المتنازعة، مهما كان حجم التأييد، أو حتى الحياد..

إنها مرحلة التحوّلات الكبرى، على مختلف الصُعُد الجغرافيّة والديموغرافيّة والمجتمعيّة والعلميّة والثقافيّة والتربويّة والمنهجيّة والدينيّة والأخلاقية والقِيَميّة، وفي مقدّمها الإنسانيّة وكل ما ينبثق عنها من مشاعر وأحاسيس وعلاقات مأزومة.
لهذا لا بدّ من الحديث في هذا الصدد مِراراً وتكراراً، لتوسيع رقعة الصدى، على أمل أن نضيء شمعة، ونبتعد قدر الإمكان عن شتم الظلام.

من هذا المنطلق اعتقد أنّ الاستعداد السيادي لا يكون بالسلاح فقط، فكلّما ارتفع منسوب التأهيل العلمي في أيّ بلد كان ارتفع منسوب السيادة، وكلّما تنوّعت المحاصيل الزراعية وغاضت الثمار نتيجة العناية بالأرض زاد منسوب السيادة، وكلّما توسّعت جدران المصانع وعَلَتْ، ارتقى منسوب السيادة أيضاً، أمّا استثمار الطاقات الإبداعيّة فهو خزّان إضافي بجميع المقاييس لمنسوب السيادة، و"الصين " خير مثال على مفهوم استثمار الطاقات الإبداعية، التي جعلت من أسواقها ينابيع إنتاجيّة، تُغرق العالم بالمنتجات والسلع الاستهلاكيّة، وكل ذلك يعود لإتاحة الفرص للكفاءات الجيدة، وتسخيرها للابتكار المتواصل.

إذاً المعادلة التي تحتاجها كل دولة في مقدمة الخطط الاستراتيجيّة للحفاظ على البنية القويّة التي تمنح الإستقلاليّة المُطلقة هي "الزراعة + الصناعة "، وهذان الاعتباران في حين تلازما على الدوام، أصبح الأمن الغذائي مُستدامَاً ويكون بمثابة سلاح من أسلحة الدفاع الأساسيّة، والضروريّة تماماً، لضمان الصمود والاستقلالية، إن لم نقل التطوّر والتقدّم والثبات بثقة، في وجه جميع الأخطار العسكرية منها، أو الكوارث الطبيعيّة.

إن بناء الصناعات التحويليّة الوطنيّة، يقلل من الاعتماد على الاستيراد، والاتّكال الدائم على المصادر الخارجيّة، التي لا تخلو عادةً من أصحاب الأمزجة السلبيّة والأساليب الخبيثة، كاللجوء لطرق الابتزاز في السوق السوداء المتفاوتة ما بين العرض والطلب، ناهيك عن الرُهاب المتواصل في حال انقطاع سلاسل التوريد الأساسيّة لهذا البلد أو ذاك كما حصل أيام الكورونا وتجميد حركة الطيران، أو في حال الحروب التي أيضاً توقف جميع عمليات الملاحة الجوية والبحرية كذلك.

كل ما تقدّم أعلاه هو نوع من أنواع الاستعداد السيادي، سواءاً تمّ إسناده للمرجعيّة العسكريّة، أو المرجعيّة المدنيّة، فهي في الحالتين تُعتبر استعداداً سليماً، وتفكيراً منطقيّاً مُعافى، فتلك الاستعدادات الاستباقيّة، لا تعني الرغبة في خوض الحرب، بل هي وسيلة من وسائل درء مخاطر الوقوع في متاهات الحرب، ومستنقعاتها الفتّاكة، لهذا إلى جانب الوعي الاستعدادي المُسبق، يجب متابعة التحركات الدبلوماسية على الدوام، وفتح كل ما يتيسّر من أبوابها وجسورها للحفاظ على اللون الرمادي في العلاقات الدولية الشائكة، وعدم تأزيمها كي لا تصل إلى اللون الأحمر، ويدخل الجميع في ما لا تُحمَد عقباه، وهذا ما أتّحدث به وأحذّر منه منذ سنوات، لتجنّب الحرب العالميّة الثالثة، وجميع المؤشرات تؤكّد عمق الرؤية التي أتناولها في كل حوار متلفز، أو مُذاع، أو متداول على وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي المكرّسة والمُعتمدة، ولها رصيد بالملايين من المتابعين.  

إذاً إنّ فهم الحدود الجغرافيّة بأبعادها السياسيّة يحتاج لفهم عميق لمنظومة الجوار وما تترتّب عليه تضارب المصالح قبل توازنها، كوضع قوانين حاسمة ومنطقيّة تفيد وتنصف بعدالة جميع الأطراف، مثلاً منابع المياه في بلد ما، وسريانها في دول الجوار، أيضاً كل ما يترتّب من خلافات على الشواطئ المشتركة رغم كل الترسيمات الدوليّة يظل هناك خلاف جذري على كل ما تكتنزه تلك الشواطئ من "غاز" أو "نفط "أو "ثروة سَمَكيّة " أو حتى رمال ذهبيّة..

كل ما تقدّم يحتاج إلى فهم دقيق وعميق للأبعاد "الجيوسياسيّة "، لأنّ خطر الحساسيّات فيها أكبر من أيّ غُبُن قد يقود إلى صِدام عسكري، لهذا لا بدّ من استحضار الأدوات السياسيّة دائماً واعتماد مبدأ توازن المصالح لأنّ الخلل فيها يشرّع كل أبواب المجهول.. وبالتأكيد أنّ أصحاب القِوَى الاقتصاديّة، والتقنيّة الحداثويّة المتمكّنة، هم غالباً من يملكون أوراق الضغط للتفاوض، أو حتى للمواجهة.




AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login