مستقبل الإنترنت

21-تشرين الثاني-2022

مستقبل الإنترنت

مستقبل الإنترنت
تندمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مع بعضها بطرق مختلفة لتولد أنظمة وابتكارات تغير حياتنا العامة والخاصة. ولقد تحدثت عن تلك التقنيات بإسهاب في كتابي "العالم المعرفي المتوقّد"، الذي نشر عام 2019، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والبلوك تشين، وإنترنت الأشياء، وغيرها من التقنيات، التي تزدهر كل منها حاليًا في نظام إيكولوجي متطور خاص بها، وتتكامل بإحكام مع بعضها البعض؛ لتولد سلاسل القيمة التي تحدث ثورة في الطريقة التي نعمل ونلعب ونتعلم بها.
لقد بدأ الإنترنت عندما وضعت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) حجر الأساس له في الولايات المتحدة، ثم تعاقب الباحثون في البناء عليه. فطوّر فينت سيرف وبوب خان، على سبيل المثال، نظام الاتصال عبر حزمة بروتوكولات الإنترنت، الذي يغذي الاتصال عبر الإنترنت. ثم وضع تيم بيرنرز لي أساس الإنترنت الحديث كما نعرفه حاليًا.
لقد ربط الإنترنت المجتمعات المحلية على مستوى العالم بطرق لم تكن ممكنة في الماضي. وهو يشهد حاليًا نموًا هائلًا، مع ظهور تقنيات تربط مليارات الأجهزة ببعضها، وتربط ملايين الأشخاص في الدول النامية عبر العالم. هذا التوسع يقتضي أن يكون الإنترنت أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات، وأن تدخل المزيد من خوادم الإنترنت الخدمة، وأن تتوفر المزيد من أجهزة التخزين، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على عناوين بروتوكول الإنترنت وأسماء النطاقات لتلبية الطلب المتزايد على السلع والخدمات التي تقدم عبر الإنترنت.
سيوسع إنترنت الأشياء حدود الإنترنت الحالي، وذلك لأنه سيحتاج إلى المزيد من عناوين بروتوكول الإنترنت الجديدة للتعامل مع النمو الهائل الذي سيحدث. فعلى سبيل المثال، تتوقع شركة "ستاتيستا" للأبحاث أن يتصل 76 مليار جهاز بالإنترنت بحلول عام 2025. لذا، سيكون توفير المزيد من عناوين بروتوكول الإنترنت أمرًا حاسمًا، مما يعني الحاجة إلى تسريع اعتماد مبادرات على غرار الإصدار السادس من بروتوكول الإنترنت، فتقنية الإصدار الرابع من بروتوكول الإنترنت لا توفر سوى 4.3 مليارات عنوان لبروتوكول الإنترنت. أما الإصدار السادس من بروتوكول الإنترنت فسيوفر 340 يتبعها 36 صفرًا من عناوين بروتوكول الإنترنت. أو 340 تريليونًا يتبعها 24 صفرًا، وهو ما يكفي لإعطاء كل ذرة على 100 كوكب بحجم الأرض عنوانًا لبروتوكول الإنترنت.
ونظرًا لطبيعة الإنترنت غير المركزية، يمكن القول إنه أكبر من أي حكومة أو مؤسسة عرفناها من قبل. وتنبثق منه أشياء مشينة في الوقت الحالي. إنه بحاجة إلى نوع من التنظيم الفعّال بصورة مستمرة دون عرقلة سبب وجوده، لمشاركة المعلومات بشفافية والسماح بحدوث تفاعلات ذات قيمة، مع السماح في نفس الوقت لجهات إنفاذ القانون بالوصول العادل إلى هذه المعلومات، من أجل حماية الدول بشكل أفضل ممن يتطلعون إلى إلحاق الأذى بها. ولقد أصبحنا نرى في كثير من الأحيان الأخبار الزائفة أو المعلومات المضللة، التي تبالغ في الإثارة، وهي تنتشر عبر قنوات التواصل الاجتماعي. لقد أصبح تأثير الإنترنت على الرأي العام كبير، ولابد من التحكم فيه بصورة أفضل حتى لا يؤثر سلبًا عليه. ويمكن ملاحظة ذلك في الآونة الأخيرة، مع انتشار أخبار غير مؤكدة بشأن الكوفيد ولقاحاته المختلفة والتي تنتشر كالنار في الهشيم.
ومع زيادة الخدمات المقدمة عبر الإنترنت، زادت كذلك كمية المعلومات الشخصية التي تُجمع، والمتعلقة بعادات الناس. لقد أصبحت تلك المعلومات منجمًا للذهب لشركات التجزئة والدعاية على الإنترنت، التي تستخدم تلك المعلومات لعرض إعلاناتها لأكبر عدد من الجمهور المستهدف. ومع أن هذا نوع جيد من الأعمال التجارية، إلا أن المستهلك لا يعلم بالضبط عواقب مشاركة تلك المعلومات. فشروط تقديم الخدمة عبر الإنترنت غالبًا ما تكون مملة ومعقدة، ويوافق عليها المستهلكون دون قراءتها أو فهمها بشكل صحيح. لا بد أن يسيطر المستهلكون على معلوماتهم مرة أخرى بطريقة سهلة وعملية، كما يجب على عمالقة الإنترنت مثل غوغل وفيسبوك تسهيل ذلك عليهم.
لقد أدى انتشار التجارة الإلكترونية على الإنترنت إلى فتح العديد من المواقع الإلكترونية لبيع البضائع والخدمات للمستهلكين عبر العالم، وهي آخذة في الزيادة باضطراد، كما أن سهولة إنشاء الأعمال التجارية على الإنترنت مقلقة، لأن الضوابط والميزانيات اللازمة للقيام بذلك متساهلة للغاية. ولقد أدى ذلك إلى إنشاء العديد من المؤسسات المشبوهة في العالم السيبراني، مما يهدد ثقة المستهلكين، والالتفاف على اللوائح التنظيمية، وتعريض المعلومات المالية للمستهلكين للخطر. ولقد أصبحت جميع القيود الفنية الموضوعة لحماية المستهلكين عديمة الفائدة تقريبًا في الآونة الأخيرة، لأن الحلقة الأضعف في السلسلة هي المستهلك، الذي قد يشتري عن غير قصد من تاجر محتال يقدم نفسه بصورة مقنعة. لذا، هناك ضرورة لاعتماد نهج يشرك أصحاب المصلحة المتعددين ليكون فعالًا، ولضمان سن قوانين عالمية للأمن السيبراني، وتنفيذ الحوكمة التجارية بالشكل الصحيح، واعتراف البنوك بالمعاملات المالية الآمنة وتنفيذها، ووجود رادع قانوني كافٍ. كما يتوجب على الحكومات أن تكون أكثر دراية بالإنترنت، وأن تكون لديها الآليات اللازمة لتعقب المجرمين عبر الإنترنت، وردعهم، ومحاكمتهم، وكذلك تعريف المواطنين بمشاكل الإنترنت، واطلاعهم عليها، وتعزيز معرفتهم بها. يجب أن يكون الإنترنت ديمقراطيًا وآمنًا.
أثناء رئاستي لفريق عمل الأمم المتحدة لتقنية المعلومات والاتصالات، والتحالف العالمي لتقنية المعلومات والاتصالات والتنمية التابع للأمم المتحدة، والميثاق العالمي للأمم المتحدة، دعوت لتأسيس نمط خامس للتجارة؛ لتنظيم التجارة والخدمات عبر الإنترنت، والتفاوض على اتفاقية للاقتصاد الإلكتروني بهدف إنشاء منطقة تجارة حرة للإنترنت. لقد تأسست منظمة التجارة العالمية، التي تنظم التجارة الدولية، في عصر ما قبل الإنترنت، وهي الآن بحاجة إلى أن يكون لديها نمط للتعامل مع الأشكال الجديدة للتجارة على الإنترنت، تُراجع وتحسَّن بانتظام.
إن الأمن السيبراني عنصر أساسي يجب التعامل مع بصورة شاملة إذا أردنا للإنترنت البقاء. لقد جلب الإنترنت أهدافًا نبيلة يستهدفها المجرمون بطرق أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. وقد قدرت شركة مكافي للأمن السيبراني، في ديسمبر 2020، أن الجرائم السيبرانية تكلف العالم أكثر من تريليون دولار سنويًا. ذلك لأن الجرائم السيبرانية يمكنها إلحاق الأذى بالشركات والحكومات وإصابتها بالشلل، ويمكنها التأثير على الابتكار والنمو التجاري والاقتصادي. وأفضل طريقة للتعامل مع هذا التهديد بكفاءة هي تطوير أنظمة للأمن السيبراني تعمل بالذكاء الاصطناعي، تحلل الخطر وتتطور وفقًا لمشهد التهديدات السيبرانية المتغير باستمرار. وبما أن هذه الظاهرة تؤثر على كل طبقات المجتمع، فإن هناك حاجة إلى عقد شراكات عالمية بين القطاعين العام والخاص، وتحالفات بين الحكومات لمكافحة هذا التهديد المتزايد، الذي يمثل مشكلة متعددة الأوجه، تشمل الشعوب والحكومات وهيئات إنفاذ القانون والشركات وشركات التقنية ومقدمي خدمات الإنترنت. يجب أخذ التهديد الذي تمثله جرائم الإنترنت على محمل الجد، والتعامل معه بطريقة عالمية، لأن آثاره بعيدة المدى، وتهدد بشكل خطير مشهد الإنترنت الجديد الذي نعيش فيه جميعًا.
تغذي الجرائم التي ترتكب على الإنترنت حاليًا ظاهرة جديدة تسمى الإنترنت المظلم، الذي يتيح إخفاء الهوية للوصول إلى إنترنت خاص عبر برامج محددة. قد ينظر الذين يحتاجون إلى التخفي للقيام بعملهم، مثل عملاء الجيش والصحفيين وغيرهم، على أنه أمر جيد، ولكنه يستخدم حاليًا وسيلة لارتكاب الجرائم المنظمة بإعادة بيع خدماتها ومنتجاتها. وعلى وكالات إنفاذ القانون أن تكون لديها دراية فنية كافية لتكون قادرة على مراقبة نشاط الإنترنت المظلم، لحماية المصالح الوطنية بشكل أفضل وبطريقة أكثر شمولًا. لقد أصبحت الحاجة جلية إلى شرطة سيبرانية عالمية عملية.
وللمضي قدمًا، يجب اتخاذ خطوات أكبر لتحسين الشبكات الأساسية التي تشغل الإنترنت. وكما ذكرت سابقًا، يعتمد ازدهار تقنيات اليوم على بنية أساسية أكثر أمانًا وقدرة على الصمود في وجه الأزمات، وأسرع، وبنية تحتية أساسية للشبكة الذكية لتلبية احتياجات مستخدمي الإنترنت المتزايدين. كما ستحتاج تقنيات مثل إنترنت الأشياء والمركبات ذاتية القيادة والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي وغيرها إلى اتصال ذكي، وشبكات متوافقة مع عدة وظائف وقابلة للتطوير بشكل كبير من أجل توفير تجربة سلسة للمستخدمين النهائيين.
سوف يكون أي شيء يعمل عبر الإنترنت متصلًا اتصالًا ذكيًا عبر هذه الشبكة الخفية من الأشخاص والأماكن والأشياء المتصلة ببعضها البعض. وسيساعد هذا في توفير سياق لجميع المعلومات والخدمات الرقمية التي تحيط بنا، مما يسمح لعدد كبير من الخدمات والأجهزة التي تعمل عبر الإنترنت بالعمل بوصفها وحدة متكاملة ذكية، مما يوفر قيمة أكبر للمستخدمين. إن إنترنت كل شيء هو مفهوم أكبر من إنترنت الأشياء، يمكن عبره ربط جميع البيانات والعمليات والأشخاص والأشياء بالإنترنت، لا سيما مع انخفاض تكلفة مستشعرات إنترنت الأشياء وزيادة المرونة. ولقد نجحت بعض الشركات في طباعة مستشعرات إنترنت الأشياء حتى على الورق والبلاستيك، مما يفتح الباب واسعًا أمام عالم جديد بالكامل من الاحتمالات.
وبوصفي رجل أعمال ورئيس عدد كبير من اللجان الدولية المعنية بالأعمال التجارية وتقنية المعلومات والاتصالات والاستدامة، سيكون من المثير للاهتمام أن أرى الإنترنت وهو ينمو ويوفر فرصًا لم تكن متاحة من قبل، وحلولًا جديدة للتحديات التي تواجه البشر. وهذا يعني أننا يجب أن نضع أساسًا قويًا الآن، وأن نحدد العمليات والأنظمة والتقنيات ذات الصلة لنمكن الإنترنت من النمو والنضج بطريقة آمنة وعملية، وأن يكون لدينا عاملون في مجال المعرفة يمكنهم تسخيره بفعالية.



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login