08-آب-2022
التنمية الحضرية المستدامة
التنمية الحضرية المستدامة
طلال أبوغزاله
لقد زادت الهجرة إلى المدن زيادة هائلة على مدار الثلاثين عامًا الماضية بسبب رغبة المواطنين في تأمين حياة أفضل. لقد أصبحت مدن العالم مركزًا للازدهار الوطني مما أدى إلى وضعها تحت ضغط كبير لتوفير الخدمات بصورة عادلة لعدد متزايد من السكان. تحتوي مدننا على معظم الفرص، مما يؤدي بطبيعة الحال إلى تعزيز الهجرة الداخلية، وذلك بسبب رغبة السكان في الحصول على الأفضل لعائلاتهم.
يمثل هذا تحديًا كبيرًا في التخطيط، والحكم، وإدارة المدن، بسبب تغير التركيبة السكانية مع الازدهار الحاصل في التنمية الحضرية. هذا يجعل من الضروري أن تتوصل مدن العالم إلى حلول مستدامة للتعامل مع الزيادات السكانية، خصوصًا مع نضوب الموارد، والحاجة إلى تقديم الخدمات بطريقة أكثر كفاءة وعدالة.
لقد عمّقت من هذه المشكلة أزمة كوفيد-19، التي أثرت على سلاسل التوريد والاقتصاديات العالمية بطرق لم نكن نتخيلها. فقد كانت الدول الأكثر فقرًا هي أكثر من عانى أثناء هذه الجائحة، بسبب التعقيم غير الملائم، وقلة أدوات الحماية الشخصية، وعدم توافر مساحة كافية للتباعد الاجتماعي في المنازل المزدحمة، بل وحتى صعوبة الحصول على الصابون وندرة المياه لغسل الأيدي.
حتى الاقتصاديات الغربية التي حسبنا أنها قوية، اتضح أنها ضعيفة جدًا. لقد اتضح أن نجاتنا لا يمكن أن تتحقق إلا عبر اتخاذ إجراءات شاملة، وتطوير بنية مستدامة تخدمنا في المستقبل. لم يعد ممكنًا استخدام عقلية الماضي، والتعامل مع العالم على أنه قطعة قماش بيضاء، نرسم عليها ما نشاء. بل إن العالم قد أصبح قطعة قماش آخذة في التمزق، وتتطلب منا جميعًا التصرف بطريقة عملية؛ فمستقبل كوكبنا في خطر.
لقد علمّنا كوفيد-19 أننا جميعًا نشترك في العيش على هذا الكويكب، وأن علينا أن نبني جسور التعايش والرخاء المشترك. وإنه لمن الرائع أن نرى أن هذه الروح قد اعتُمدت في جهود تطوير اللقاحات في زمن قياسي، مما يظهر ما نستطيع فعله عندما نوحد مواردنا من أجل الخير العام. نحن بحاجة إلى إيصال اللقاحات إلى دول العالم الثالث، من أجل تسريع الاستجابة الدولية للفيروس، والعودة إلى مستوى ما من الحياة المعتادة عالميًا، حتى ولو في ظل تعريف جديد لكلمة "معتادة".
إن أعداد سكان الحضر على وشك الانفجار في عام 2050، فقد تنبأت إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية بأن 2.5 مليار نسمة إضافيين سيعيشون في مدننا بحلول عام 2050. وهذا مقلق على وجه الخصوص لأنه سيحدث في مناطق قليلة في العالم، تتركز بشكل رئيسي في أفريقيا وآسيا. هذا يتطلب اتخاذ إجراءات جدية والتخطيط الملائم للمدن. وإلا أخشى أننا سنرى مآسي هائلة، تتعلق بالمجاعات، والفقر، والتغير المناخي طويل الأجل، الذي قد يصبح عصيًّا على الحل، وتكون له عواقب وخيمة على رفاهية العرق البشري المستقبلية.
إن الحصول على خدمات، مثل التعليم، والصحة، والإسكان، والتوظيف، والأمان، هي من حقوق الإنسان، التي يجب أن يتمتع بها الجميع، وتدعم العمل الذي تقوم به وكالة التنمية التابعة للأمم المتحدة، ولجان مثل لجنة أهداف التنمية المستدامة، وغيرها. إن عملهم أساسي في التخطيط للتنمية الحضرية التي ستحدث في الثلاثين عامًا المقبلة، والتي سيكون لها أثر كبير على جودة حياة الأجيال القادمة. إن مدننا تعاني بالفعل من الازدحام، وسيمثل تدفق المزيد من السكان مشكلة في الدول النامية، خصوصًا في الأماكن التي يعيش فيها سكان المدن في أحياء عشوائية.
لا بد من تصميم المدن بحيث تنمو بطريقة مستدامة، أتخيل أنها لا يمكن أن تتحقق إلا بالاستثمار في البنية التحتية السليمة، وإنتاج الطاقة المستدامة، والخدمات الصحية والتعليم للجميع، وكذلك تطبيق الحوكمة القوية، لضمان الشفافية، وتقليل المحسوبية، وزيادة فرص العمل عن طريق توفير مناخ ملائم للاستثمار. أعتقد أن هذه أمور أساسية، وإلا ستتحول المدن النامية إلى مرتع للجريمة، والفقر، والفوضى، إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة.
إذا طوّرت مدننا العالمية وحُدِّثت بدعم من المخططين الحضريين، والمهندسين المعماريين، والمهندسين، فستزدهر لأمد طويل في المستقبل. فهناك العديد من التقنيات غير المكلفة التي يمكن تطبيقها لبناء مدن أفضل، وأكثر اخضرارًا، وأكثر استدامة.
إن هذا لمسعى أساسي، يتطلب أقصى عناية، فهناك حاجة ملحة لإجراء تغيير حقيقي قبل فوات الأوان. نحن لسنا بحاجة لإعادة اختراع العجلة، فهناك بالفعل مخططات وخبرات متاحة عبر وكالات قائمة، مثل الأمم المتحدة، وتحالف التنمية الحضرية المستدامة، الذي شرفت برئاسته منذ عام 2015، للمساعدة في تطوير مستقبل مستدام لكوكبنا.