25-تموز-2022
تطوير مدن مستدامة
تطوير مدن مستدامة
طلال أبوغزاله
إن تغييراً جذرياً على وجودنا كعرق بشري قادم لا محالة نتيجةً لشبكة الإنترنت وتكنولوجيات الثورة الصناعية الرابعة التي تحدث ثورة في العالم. إننا على وشك دخول عصر المعرفة حقاً والذي يتوسع بمعدّل متسارع، ويقود إلى تنمية المجتمعات الرقمية وربط المجتمعات الدولية بطرق لم تكن ممكنة في السابق.
إن تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء "IOT" والبيانات الضخمة ضرورية لإعادة تعريف طريقة عمل المدن؛ حيث تساعد في إيصال خدمات أرخص ثمناً وأكثر عدلاً وشفافيةً للأعداد المتنامية من السكان في مواجهة التوسع الحضري المتزايد. إن مدننا هي في مركز الازدهار وتوفر أكثر الفرص، وتجذب الهجرة داخل البلاد، ما يفرض تحديات هائلة على تخطيطها وحوكمتها وإدارتها. تحملت المدن مؤخراً العبء الأكبر من تبعات جائحة كوفيد لكنها ظلّت رمزاً للأمل والثقة، موفرةً المنازل والوظائف والمنشآت الاجتماعية والدينية وكذلك الدعم الصحي والاقتصادي في وقت من عدم اليقين.
يعد استخدام التكنولوجيا أساسيا في السعي لتطوير الاستدامة بطريقة تحد من التأثير على البيئة. وقد أطلقت الأمم المتحدة على هذا العقد اسم "عقد من العمل" حيث يجب القيام بعمل جاد لتسريع الجهود العالمية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs) بحلول عام 2030. إن القيادة الأفضل والتقنيات الذكية والعمل على مستويات المدن وتمكين الناس هي مفتاح توليد الحركة المطلوبة لإحداث تغيير حقيقي وطويل الأمد.
تمثّل قضايا مثل تزايد عدد السكان والتغيّر المناخي وجائحة كوفيد الآن أسباباً حقيقية للقلق لأن تأثيرها المشترك على مدننا خطير، حيث تفاقم التصدعات الاجتماعية والاقتصادية وتضع المزيد من الضغوطات على البلديات لخدمة السكان المتزايدين بطريقة مستدامة. إن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها مواجهة هذه التحديات هي الحث على التغيير من خلال الاستفادة من التكنولوجيا لتطوير مدن ذكية ومستدامة. ويجب أن تملك المدن أطر مستدامة للعمل مع الخبراء التقنيين والتشريعيين والدعم المالي لتحقيق الأهداف التي وضعتها مبادرات التنمية المستدامة
على مدى السنوات العشرين الماضية أو نحوها، كان توجه المدن لإطلاق مبادرات المدن الذكية من أجل إيصال خدمات أكثر كفاءة وإنصافاً لمواطنيها. وقد شهدت هذه المبادرات درجات متفاوتة من النجاح، حيث حققت بعض تطبيقاتها مستوى عالمي في بلدان مثل سنغافورة، بينما فشل البعض الآخر فشلاً ذريعاً. لكن ما بدأ كمدينة فاضلة تنبأ بها العديد من التكنوقراطيين كان في الواقع صعب الفهم على مستوى القاعدة الشعبية.
بيد أن هذا أمر يستحق إعادة النظر فيه لإعادة تركيز الجهود العالمية لأن الوقت ليس في صالحنا وهناك قضايا حقيقية ينبغي معالجتها. إن تطوير المدن المستدامة ليس قضية تكنولوجية بل هي قضية تخطيط وتنفيذ وحوكمة.
من الأهمية بمكان أن تكون للمدن استراتيجية شاملة في البداية من أجل المضي قدماً بأجندة المدينة الذكية على النحو المناسب. سيساعد ذلك في تحديد احتياجات المدينة بشكل مناسب بالإضافة إلى التكنولوجيا والبنية التحتية والحوكمة المطلوبة لإنشاء نظام بيئي للمدينة الذكية. ومن الضروري إتمام هذه المرحلة بطريقة صحيحة من أجل بناء أساس ناجح حيث لا يوجد نموذج واحد يناسب الجميع. يجب أن يكون هناك فريق مستقل مسؤول عن إدارة هذه الإستراتيجية وتنفيذها وينبغي أن يتم تكوينه كهيئة مستقلة عن الحكومة وعن السلطة، حيث سيضمن هذا استمرارية مشروع المدينة الذكية ويكفل التحسين المنتظم لأهدافه العامة.
بالإضافة إلى وجود اتجاه وهدف واضحين، يجب أن تضم هذه الوحدة فريق إدارة مشروع يملك خبرة في مجابهة الكيانات الحكومية والخاصة، وفريق تقني قوي يفهم التكنولوجيا مع مفاوضي عقود مهرة، وفريق مالي وقانوني من ذوي الخبرة، وأفراد على دراية جيدة بإدارة التغيير، وخبراء تسويق بالإضافة إلى متخصصين في التوعية والتثقيف. إن وجود فرق متعددة الوظائف هم من أساسيات النجاح.
البيانات هي الوقود الذي يمد المدن الذكية بالطاقة، بينما تعتبر جميع العناصر الأخرى هياكل داعمة، تسمح بجمع البيانات ومعالجتها والعمل على أساسها لتقديم خدمات ذكية للمواطنين. لكن هذا يأتي بثمن، ويتطلب استثمارا كبيرا في تحديد البيانات وتصنيفها، وتصنيف الآثار القانونية المترتبة على ملكية البيانات وتطوير البنى التحتية الأساسية للتكنولوجيا، وهو استثمار لا يمكن استرداده إلا بمرور الوقت. وينبغي تشجيع روح مشاركة البيانات عبر الإدارات والكيانات الحكومية من أجل الصالح العام، ويجب وضع أنظمة واقعية لحماية البيانات لتجنب إساءة الاستخدام وتعزيز الثقة.
غالباً ما تخصص ميزانيات المدن من أجل توفير الخدمات الأساسية وعادةً ما لا يكون المال متوفراً للاستثمار في البنية التحتية التكنولوجية اللازمة لإنشاء المدن الذكية. وهي مسألة أكثر إلحاحاً خلال فترة جائحة كوفيد هذه. وانطلاقاً من ذلك، يأتي دور القطاع الخاص الذي يملك رأس المال والخبرة الفنية المطلوبة. لذلك تعد الشراكات بين القطاعين العام والخاص مهمة لبدء وديمومة أي برنامج مدينة ذكية.
تعد الإدارة المركزية وتوفير الخدمات أموراً أساسية للتعامل بفعالية مع هذا النظام البيئي الجديد، وكذلك تقديم هويات رقمية للمستخدمين يستطيع المواطنون من خلالها التعامل مع جميع الخدمات الذكية بطريقة سلسلة. إن هذا يتضمن عوامل فنية مثل تنفيذ نظام التوقيع المنفرد "SSO" لتوفير تجربة سلسة للمواطنين حيث يمكن تسجيل جميع معاملاتهم وتتبعها بإدارة سهلة. يتطلب هذا تكامل الخدمة بين مقدميها من أجل تمكين هذه الآلية الوظيفية، فضلاً عن استضافة الخدمات من خلال شبكة آمنة تقبل الأشكال الشائعة للدفع الإلكتروني بالإضافة إلى النقد.
ويتطلب إدخال الخدمات الذكية مراجعة مفصلة للسياسات الحالية، وحتمياً، تطبيق سياسات جديدة تغطي التطورات التكنولوجية. ستتطلب المجالات المتطورة مثل الذكاء الاصطناعي أو المركبات ذاتية القيادة تغذية راجعة من الخبراء من أجل فهم الآثار المترتبة على هذه التكنولوجيا وكيف يمكن توجيهها بشكل فعال. يتطلب تطوير السياسة مدخلات من العديد من أصحاب المصلحة والخبراء متعددي التخصصات حيث تصبح الخدمات معتمدة على بعضها البعض للعمل بطريقة تكافلية لضمان التحسن. يجب تطوير السياسات قبل أي تنفيذ لضمان وجود الحوكمة الفعالة والشفافية.
كما يجب أن تمتلك أي مدينة ذكية برنامج توعية شامل لاطلاع المواطنين على الخدمات الذكية المتوفرة وبرامج التدريب القائمة لضمان قدرتهم على استخدامها. يعد المواطنون أساس نجاح واستمرارية المدن الذكية حيث أنهم يعتبرون مستخدمي خدماتها وكذلك القوى العاملة التي تطوّر وتدير وتقدّم هذه الخدمات. ويترجم هذا إلى تجنيد موظفين مدربين جيداً يمكنهم تقديم المساعدة للمواطنين على الوصول لهذه الخدمات سواء عبر الإنترنت أو الهاتف أو شخصياً. يجب على المدن أن تشرك المواطنين بفعالية حتى يستفيد الجميع من الخدمات المتاحة بغض النظر عن محو الأمية الحاسوبية.
إنني أؤمن أن المدن المستدامة القائمة على التكنولوجيا قابلة للتحقق لنا جميعاً، وقد تفوّقت الكثير من المدن في تحقيق المكاسب التي ينبغي علينا أن نتعلم منها. إن الخبرة متوفرة وهذا يعني أننا لسنا بحاجة لإعادة اختراع العجلة وينبغي إزالة الحواجز التي تحول دون التقدّم.
لقد ناقشت بإسهاب تطوير المدن الذكية في كتابي الجديد "المستقبل الرقمي الحتمي"، المتاح باللغتين الإنجليزية والعربية والذي آمل أن يكون مفيدا في تطوير المدن المستدامة.
علينا أن نعمل معا على نحو أوثق إذا أردنا تحقيق عالم أكثر خضرة واستدامة. ونحن نتشاطر هذا الكوكب عادة مع نجاحنا الذي يكمن في جهد عالمي مشترك لتحقيق الاستدامة.