المستقبل الرقمي الحتمي
المستقبل الرقمي الحتمي
طلال أبوغزاله
إن وتيرة التزايد الحالية لاعتماد التكنولوجيا مبهرة بحق. فالعالم يزداد "رقميةً" يومًا بعد يوم. لقد تغلغلت التكنولوجيا الرقمية في كل مناحي مجتمعاتنا، مما أحدث تحولًا في جميع جوانب حياتنا، وتسبب في ازدهار كبير ومزايا عظيمة، يمكن رؤيتها في الطريقة التي ساعدت بها العالم أثناء أزمة كوفيد-19.
لقد جلبت هذه الثورة التكنولوجية معها العناصر التي أدت إلى تحسين المجتمع، وكذلك جاءت بسلسلة من التحديات التي يجب التعامل معها لتقليل الآثار السلبية، ولإشباع نهمنا المتزايد لكل ما هو رقمي بطريقة صحية شمولية. وتسببت التكنولوجيا الرقمية كذلك في تطوير نظم إيكولوجية وسلاسل توريد جديدة تمامًا، مما أدى إلى تكليف الملايين بوظائف لم تكن موجودة منذ خمسين عامًا مضت. والاقتصادات الكبرى في الهند والصين شاهدة على هذه الحقيقة، فقد أصبحت قوى تكنولوجية تعمل على تحويل ميزان القوة من الغرب إلى الشرق.
فأي اقتصاد يريد أن يحجز له مكانًا في مستقبلنا الرقمي الحتمي يجب أن يستثمر في قدراته الرقمية وبنيته التحتية الرقمية وينميهما. إن الذين يسيطرون على التكنولوجيا هم الذين سيسيطرون على العالم، ولهذا السبب نشهد صراعًا مستمرًا بين دول مثل الولايات المتحدة والصين، ونزالات تكنولوجية متكررة بينهما. إنهما يعلمان جيدًا أن من سيروض هذا الوحش سيسيطر على العالم فعليًا. أما بالنسبة للغرب "الديمقراطي"، فهذا احتمال مبهم، ومحفّز لليقظة الدائمة.
إنها ثورة خارجة عن السيطرة.
إن عوائق الدخول إلى التكنولوجيا الرقمية هي أقل بكثير من تلك التي كانت تتعلق بالثورات الصناعية في الماضي. فالإنترنت يقدم كل الخبرات اللازمة لتصبح جزءًا منها. إن المبتكرين سيصبحون هم أرباب العمل في المستقبل، وقد يكون نهم دول الشرق الذي يتجاوز طموحات دول الغرب، هو السبب الذي سيؤدي إلى "قلب الطاولة" في المستقبل.
لقد كانت نصيحتي دائمًا لأولئك الراغبين في تأمين مقعد لهم في هذا المستقبل الرقمي أن يبنوا قدراتهم في المجالات التكنولوجية، وأن يطمحوا لأن يصبحوا من العاملين في مجال التكنولوجيا الرقمية، ومن الذين يمتلكون المهارات المطلوبة لتلبية طلبات الاقتصاد العالمي. قريباً سيجد الذين يتوقفون عن التعلم والتكيف والتحسن أن الزمن قد تجاوزهم وأنهم أصبحوا عاطلين عن العمل. لقد شهدنا هذا مرارًا وتكرارًا على مر التاريخ. أنا لم أتوقف عن التعلم طوال حياتي، وأعتبر نفسي طالبًا في هذا العصر؛ أتعلم منه الجديد كل يوم. ولقد كنت مهتمًا من أول يوم بالتكنولوجيا، واستشرفت الإمكانات الكبيرة التي لديها لتحويل الأعمال التجارية والمجتمع.
هذا ما أثار اهتمامي لمعرفة المزيد، وما دفعني لحضور دورة كمبيوتر لشركة آي بي إم في "هاي وايكمب" بالمملكة المتحدة، لعرض تفاصيل "الحاسوب المكتبي" الخاص بهم. كان هذا في عام 1965، وكان هذا "الحاسوب المكتبي" كبيرًا بحجم غرفة كاملة. وكان بحاجة إلى فريق من الفنيين لتشغيله. أدركت ساعتها على الفور أن تلك كانت البداية لشيء هام. وفي عام 1972، أسست شركة طلال أبو غزاله العالمية لتقديم خدمات استشارات الأعمال والإدارة، وفي القلب منها التكنولوجيا. وقد نمت الشركة الآن، وأصبح لها أكثر من 100 مكتب موزعة في جميع أنحاء العالم. لم يكن هذا ليتحقق لولا ظهور التكنولوجيا التي تدعم حاليًا كل خدمة نقدمها.
ستجد الحكومات والمجتمعات التي لن تتبنى التكنولوجيا وتنضم إلى هذا الطوفان الرقمي، أن الزمن قد تجاوزها، وأنها أصبحت معزولة عن الاقتصاد العالمي، وأنها تفتقر إلى الكفاءة، وغير قادرة على تلبية متطلبات التنمية الحضرية المستدامة وأهداف التغير المناخي بالشكل اللائق. إن استخدام التكنولوجيا أساسي في السعي لتطوير الاستدامة بطريقة تحد من التأثير على البيئة. لقد أطلقت الأمم المتحدة على العقد الحالي اسم "عقد من العمل"، حيث يجب بذل العمل الجاد لتسريع الجهود العالمية لتلبية أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة بحلول عام 2030. أعتقد أن هذا لا يمكن إنجازه إلا عبر التكنولوجيا، فنحن بحاجة للعمل بطريقة أذكى وأكثر جدية.
على مدار العشرين عامًا الماضية أو نحو ذلك، أخذت المدن تتوجه نحو إطلاق مبادرات المدن الذكية، لتقديم خدمات أكثر كفاءة وعدالة لمواطنيها. لقد شهدت تلك المبادرات درجات متفاوتة من النجاح. فقد نفذ بعضها على مستوى عالمي، في حين فشل البعض الآخر على نحو بائس، ولا يزال متوقفًا عند "حجر الأساس".
ما بدأ على أنه المدينة الفاضلة، التي تنبأ بها العديد من التكنوقراط، كان في الواقع مفهومًا يصعب تجسيده. هذا يستحق إعادة النظر، لإعادة تضافر الجهود العالمية، فالوقت يمر. هناك مواضيع حقيقية يجب تناولها، فهذا شأن معقد للغاية يتطلب مشاركة أصحاب المصلحة المتعددين، وشراكة قوية بين القطاعين العام والخاص، وقيادة براغماتية.
لقد ناقشت مسالة تطوير المدن الذكية باستفاضة في كتابي الجديد بعنوان: "المستقبل الرقمي الحتمي"، المتوفر باللغتين العربية والإنجليزية. إننا نتحمل مسؤولية توريث عالم مستدام صديق للبيئة لأحفادنا.
أتمنى أن يكون الكتاب مفيدًا للراغبين في بناء مدن ذكية، وأن يمهد لطريقٍ تنظر إليه الأجيال القادمة بفخر، ليذكروننا بوصفنا أرباب عمل، وأننا عملنا بحكمة وبصيرة.