مستقبل الذكاء الاصطناعي

13-حزيران-2022

مستقبل الذكاء الاصطناعي

مستقبل الذكاء الاصطناعي
طلال أبوغزاله
لطالما ركز الخيال العلمي على موضوع امتلاك آلات تعمل بالذكاء الاصطناعي، قادرة على الإبداع، والتفكير، والإنتاج، بنفس طريقة البشر. وفي حين أن مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على تحقيق وعي حقيقي ليس موضوع النقاش هنا، فإن استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي بوصفها وسيلة لتحقيق إنتاجية أعلى والتقدم في جميع مناحي الحياة قد بدأ بالفعل.
إن الذكاء الاصطناعي هو أحد الأسس الرئيسية للتطبيقات التقنية المستقبلية، وهو يشق طريقه في العديد من المجالات، مما سيؤدي إلى تقدم كبير نتيجة لذلك. إن جميع الابتكارات الذكية، وإنترنت الأشياء، والنانو تكنولوجي، والمركبات ذاتية القيادة، وغيرها تدين بوجودها الحاضر والمستقبلي للعقل الاصطناعي الذي يشغلها.
إن ما يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي مسيطرة، هو قدرتها على تحليل كميات كبيرة من المعلومات ومراجعتها تبادليًا على الفور، واستخدام تلك المعلومات لاتخاذ القرارات، والأهم من ذلك للتعلم. هذا الجانب الخاص بالتعلم يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي قوية جدًا، فهي لم تعد تعتمد على تغذيتها بالمعلومات الجامدة. لقد بدأت تصبح مثل العقول العضوية التي تستطيع أن تفكر ضمن الحدود البرمجية الموضوعة داخل كود الحمض النووي الحاسوبي الخاص بها.
هذا يتيح لها بناء علاقات بين المعلومات، والربط المتبادل بين مجموعات البيانات الضخمة بسرعة فائقة، تفيد بدورها الإنسان المستفيد بالرؤى، والاستدلال، والمحاكاة، والأفكار التي تعلمها، وهو ما يصعب جدًا على البشر استنتاجه.
إن مجال الذكاء الاصطناعي الحديث يعود إلى عام 1956، في كلية دارتموث بنيوهامبشر، حيث ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي. منذ ذلك الحين، أدى العمل في مجال الشبكات العصبونية والتعلم الآلي إلى تعزيز تقدم الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى ضخ مليارات الدولارات في البحث والتطوير. لقد أصبح هذا هو سباق الفضاء الجديد مع الشركات والدول القومية، التي تتنافس الآن بشدة لإيجاد أنظمة ذكاء اصطناعي أكبر وأفضل لمجموعة من التطبيقات المختلفة.
إن مثل هذه التقنية سيتيح لنا التعامل مع تحديات الرعاية الصحية، التي لم يكن من الممكن التعامل معها من قبل، مثل المرضى الذين يعانون من مشاكل في حبلهم الشوكي، وأصيبوا بالشلل بسببها. ستسمح الغرسات الاصطناعية التي تعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي المدمجة باستعادة الحركة، وتمكين الأجزاء المقطوعة من الحبل الشوكي بالتواصل مرة أخرى، بل وحتى تحسينه باستخدام الأطراف الإلكترونية التي يتحكم فيها الذكاء الاصطناعي. إن الغرسات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي قد تحل محل أقسام من المخ في المرضى الذين يعانون من الصدمات الدماغية، وجعلها بشرية مرة أخرى، بالمعنى الحرفي للكلمة. كما أن الهياكل الخارجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ستغير حياة كبار السن والمرضى، وتمنحهم حرية الحركة مرة أخرى.
ستتلاشى الفواصل بين البشر والحاسوب، عندما تتداخل بالتدريج. ولن يبقى الذكاء الاصطناعي نموذجًا مستقلًا، ولكنه، في حقيقة الأمر، سيتغير ليصبح ما يُعرف باسم تضخيم الذكاء، أي تضخيم ذكاء الإنسان باستخدام الذكاء الاصطناعي، مما سيؤدي إلى تضخيم الذكاء البشري إلى مستويات غير مسبوقة.
سيساعد الذكاء الاصطناعي العقل البشري في تشكيل الافتراضات والتصورات، ومراجعة المليارات من مجموعات البيانات التراكمية العالمية تبادليًا، لإتاحة الفرصة للبشر للتوصل إلى استنتاجات أكثر دقة واستنارة، وبالتالي تعزيز حدود التفرد التقني بمعدل يتعذر قياسه. سيتجاوز ذكاء الذكاء الاصطناعي العقول البشرية الحالية، وسيكون قادرًا على استيعاب ملايين الكتب في موضوع معين وتوليفها في ثوانٍ، وجعل جميع البيانات الموجودة فيها متاحة كما لو كنا نعرفها طوال عمرنا.
سيحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في الطريقة التي تُعالج بها الأزمات الوطنية، والتعامل بشكل مستقل مع المواقف الحرجة، مثل البحث والإنقاذ بعد وقوع الزلازل، أو عمليات التنظيف في الأماكن السامة للبشر. ستتألف تشكيلات الدفاع المدني الحالية من مركبات وروبوتات تعمل بالذكاء الاصطناعي، لتشكل خطًا دفاعيًا أماميًا ضد المخاطر، ويشرف على عملها ويديره نظرائهم من البشر.
ستتمكن الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي من الوصول بسرعة إلى مسرح الحوادث، ورفع المركبات بسهولة، وشق طريقها عبر هياكل السيارات بأمان، ومسح أجسام الركاب لتصوير الإصابات أثناء الحركة، وسحب الضحايا، وإطفاء الحرائق وغيرها من المخاطر، بل وحتى تقديم الإسعافات الأولية. لقد بدأ العمل على جميع هذه التطبيقات، ولا مبالغة إن قلنا إن مثل هذه التقنيات ستكون متوفرة في مدننا في المستقبل القريب.
نفس النوع من آلات الروبوت التي تعمل بالذكاء الاصطناعي ستستخدم في قطاعات تمثل خطورة على البشر، مثل التعدين، ومهن أعماق البحار، وأعمال المنشآت النووية، والصيانة، بالإضافة إلى الأنشطة الخطيرة الأخرى، مما يوفر مستوى من الأمان والدقة لم نشهده من قبل.
ستصبح طريقة عمل المصانع ومعامل التصنيع بيئات مجهولة تمامًا، حيث ستُدار بالروبوت بالكامل، ويتحكم فيها الذكاء الاصطناعي، من البداية إلى النهاية. سيلغي هذا أي تدخل بشري تقريبًا في المصانع، مما سيكون له أثر بالغ على المهارات المطلوبة لدى القوى العاملة في المستقبل، والتي سيقودها العاملون في مجال المعرفة. سيكون التعلم مدى الحياة هو المهارة الأساسية التي ستحتاج إليها القوى العاملة في المستقبل؛ لضمان بقائها قابلة للتوظيف، مع التركيز على الإبداع والبراعة والتفكير خارج الصندوق.
لقد أصبح هذا الموضوع مبعث قلق للكثيرين إلى الحد الذي اقترح معه البعض تقديم نوع من الراتب الأساسي لتعويض العاملين عن الوظائف البشرية التي استولى عليها الذكاء الاصطناعي. سيمول هذا الراتب من الضرائب الإضافية التي ستضطر المصانع التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لسدادها وتعويض العمالة البشرية. سيكون هذا ممكنًا بالتأكيد، وذلك لأن حجم الوفورات التي سيقدمها الذكاء الاصطناعي ستمكن الشركات من زيادة حجمها وجودة إنتاجها بصورة ضخمة، وبالتالي تحقيق إيرادات أكبر.
بقي أن نشهد تنفيذ الراتب الأساسي العالمي، وسيكون بالتأكيد مفهومًا ومثيرًا للاهتمام، حيث يجب اتباعه أثناء المضي قدمًا، ولكنني أؤمن بشدة بتمكين العمال بالمعرفة؛ لزيادة القيمة التي يقدمونها لأرباب عملهم والمجتمع ككل.
سيصبح السفر إلى الفضاء هو الآخر شأنًا روبوتيًا إلى حد كبير، تسيطر عليه الروبوتات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، مما سيعزز معرفتنا بالفضاء بطريقة لم يكن للإنسان أن يقدر عليها. ستكون هذه الكائنات الواعية قادرة على الذهاب إلى أكثر المواقع الوعرة في كوننا، وستكون قادرة على قضاء سنوات عديدة في البحث واستكشاف الفضاء دون الاضطرار إلى تعريض حياة البشر للخطر، مع إبلاغ أسيادهم الأرضيين بما أنجزوه طوال الوقت. كما سيتحول التنقيب في أعماق البحار، والتعدين، والتنقيب تحت الأرض بطريقة مماثلة.
ستسيطر خوارزميات الذكاء الاصطناعي بصورة رئيسية على المؤسسات المالية على مستوى العالم، مما سيحسن الشفافية، ويقضي على الاحتيال نتيجة لذلك. سيكون الجيل التالي من المتداولين عبارة عن آلات تعمل بالذكاء الاصطناعي، التي ستتنافس في توقع اتجاهات الأسواق، وتحديد الاستثمارات المربحة. ولا شك في أن المنافسة بين دور الاستثمار ستشتد لتطوير أحدث آلات الذكاء الاصطناعي، وأكثرها تطورًا، لتمكينهم من زيادة خيارات الاستثمار، عن طريق معالجة مجموعات ضخمة من المتغيرات والاختيارات. وستصبح قاعات التداول البشرية شيئًا من الماضي.
إن ذكاء أنظمة الذكاء الاصطناعي سيتطور ليصبح قادرًا على الاستجابة لأي محادثة، تمامًا كما يفعل البشر، وسيكون قادرًا على صياغة جميع التشكيلات الدلالية والنحوية التي تدخل في المحادثات اليومية، مثل المزاح، والمحادثات القصيرة، والعواطف، والتعليقات المناسبة، والحقائق الموضوعية، والأفكار الذاتية، وجميع التعابير والاصطلاحات اليومية المرتبطة بها.
في نهاية المطاف، سيكون الذكاء الاصطناعي قادرًا على تخطي اختبار تورنِغ بكثير، وهو تحدٍ وضعه آلان تورِنغ في عام 1950 لاختبار قدرة الآلة على إظهار سلوك ذكي مكافئ لسلوك الإنسان، أو لا يمكن تمييزه عنه.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي مثير بحق، لأنه سيؤثر على العديد من جوانب حياتنا. إن أملي هو أن تُستخدم هذه التقنية لتقديم الجنس البشري في نموذج جديد للوجود، تتشارك فيه الإنسانية بشكل أفضل بين إخواننا من البشر، ويقل فيه التفاوت بين المجتمعات.



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login