العالم المعرفي المتوقّد
العالم المعرفي المتوقّد
إن تسونامي التكنولوجيا الذي نواجهه في عالمنا الحالي سيودي بنا إلى ثورة في كل منحى من مناحي الحياة والعمل. إن درجة الابتكار التي أنجزناها لا تعد شيئًا مقارنة بتوقعات المتنبئين بالمستقبل في الماضي. يبدو أن التكنولوجيا أصبحت تجري في عروقنا، وتدير كل شيء، من حياتنا الخاصة إلى الشركات الكبرى، التي لم نرى لها مثيلًا من قبل. لقد حقق الإنسان قفزات نوعية في جميع مجالات النشاط الإنساني منذ الثورة الصناعية إلى ثورة الحاسوب الحالية، وذلك بفضل التكنولوجيا المتوفرة الآن عند أطراف أصابعنا. لقد قذفت التكنولوجيا عالمنا في حقبة غير مسبوقة من التقدم، لم نر مثلها من قبل.
إن القوة الدافعة للتغيير في زماننا هذا هو الإنترنت، الذي أحدث ثورة في الطريقة التي نعيش بها، ونلعب بها، ونعمل بها. يتوقع أفراد المجتمع كله في الوقت الحالي أن تكون المعلومات على بعد نقرة فقط منهم عبر استخدام محركات البحث القوية، التي تعمل كبوابات لملايين المواقع الإلكترونية والخدمات. لقد انفجر الإنترنت انفجارًا كبيرًا منذ نشأته، ليقود، نتيجةً لذلك، جميع الصناعات الأخرى المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. إن النهم لمزيد من التكنولوجيا والخدمات هو نقطة تحول رئيسية، فقد أدى إلى ثورة تكنولوجية تقودها بشكل رئيسي شراهة المستهلكين على مستوى العالم.
لقد أصبح التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي والبضائع والخدمات متوافرين بشكل دائم على الإنترنت، ويمكن الولوج إليهم في أوقت عبر أي مزود خدمة في أي جزء من العالم. لقد جعل هذا العالم قرية صغير، وسمح لعالمنا المادي بالتقارب مع العالم الرقميّ، لتقديم خدمات أفضل وأسرع للمستهلكين، الذي لا يكفون عن الطلب وانتظار المزيد. هذا الدمج بين الواقعين سيصبح أكثر انتشارًا مع نضوج الإنترنت وجذب المزيد من المستخدمين، خصوصًا الملايين الذين يعيشون في الدول الفقيرة، الذي يستخدمون تكنولوجيات الإنترنت عبر الهاتف المحمول للتعامل على الإنترنت بأعداد كبيرة. نحن في بداية رحلة التحول هذه، ولدينا الكثير لنتطلع إليه.
إن البيانات حاليًا، وليس التكنولوجيا، هي التي على وشك أن تصبح الوقود الحقيقي للابتكار والاختراعات في المستقبل. البيانات حولنا في كل مكان. والحصول على هذه البيانات وجعلها منطقية وفتح مغاليقها واستخدامها لحل مشاكل حقيقية، هو التحدي الحالي الماثل أمام العلماء والمهندسين. لقد أصبحت التكنولوجيا أكثر من مجرد أجهزة وألعاب، إنها مستقبل البشرية. لقد أسس ظهور العصر الرقمي للحظة فارقة في الحضارة، تمثل أفق حدث جديد للبشرية، يجلب معه ثروة من الفرص والتقدم المذهل.
في مخيلتي، أنه لا يمكن الرجوع إلى الوراء بمجرد بداية هذا العصر.
إن عصر التقدم التكنولوجي الحالي يشهد ميلاد تكنولوجيات مزعزعة في المستقبل. يعني هذا المصطلح ابتكارات ستتسبب في حدوث تغيرات كبيرة في حياة الإنسان، بدءًا من طرق إدارة الأعمال، وتقديم الخدمات الصحية، وإدارة الحكومات، إلى الطريقة التي يعيش بها المواطنون حياتهم، وما بين ذلك.
لقد كان مستقبل تلك التكنولوجيات المزعزعة والفرص المتوقعة، والطريقة التي سيتغير بها العالم، هي الأسباب الرئيسية التي دفعتني لتأليف كتاب العالم المعرفي المتوقّد، وهو عبارة عن رحلة واقعية إلى المستقبل، توضح كيف ستغير التكنولوجيا مسار التاريخ البشري في الثورة الصناعية الرابعة، وعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين البشر والتكنولوجيا. إنه نقاش تكنولوجي، يكشف عن العلاقة التكافلية بين الإنسان والتكنولوجيا، ويغطي مجموعة كبيرة من التكنولوجيات المزعزعة، ويتوقع العديد من التحديات التي ستجلبها تلك التكنولوجيات.
لقد فكرت أن أسلط في الكتاب الضوء على المعضلات والأسئلة التي سيتعين على خبراء التكنولوجيا والمشرعين التفكير فيها بعمق. وأنا أشجع إجراء نقاش عام على جميع المستويات، لأن الآثار ستكون بعيدة المدى، ولن تكون مسؤولية خبراء التكنولوجيا وحدهم.
إن الكتاب مهم لأي شخص مهتم بفهم كيف سيتحرك مستقبل البشر في مواجهة التقدم التكنولوجي السريع، وما الذي يجب فعله لضمان حدوث هذا بطريقة تساعد التطور البشري. إن هذا جزء من مهمتي طويلة الأمد لبناء العاملين في مجال المعرفة في المستقبل، وهو شيء كنت أعمل من أجله بنشاط طوال العقود الأربعة الماضية. نحن ندين بهذا للأجيال القادمة، لتمكينهم بالمهارات اللازمة لمواجهة الحاجات المتزايدة للعصر الرقمي.