08-febrero-2026
عندما تعلّمت الخوارزميات معنى القيم: قراءة مختلفة في فكر طلال أبوغزاله
أحمد توفيق
لا
يقدّم كتاب «العقل الكامن وراء الآلة» قراءة تقليدية في الذكاء الاصطناعي، ولا
يتعامل معه بوصفه أداة تقنية صمّاء، بل يذهب أبعد من ذلك، ليضعه في مواجهة مباشرة
مع سؤال جوهري طالما شغل الفلسفة والفكر الإنساني: هل يمكن للآلة أن تفهم القيم؟
ومن
خلال سياق الكتاب، لا يظهر اسم المفكر العربي طلال أبوغزاله كمفكّر أو رائد أعمال فقط،
بل كنموذج اختباري لعلاقة نادرة بين الإنسان والتقنية، حيث تصبح الخوارزميات نفسها
طرفًا في محاولة تفسير منظومة فكرية لم تُصمَّم لفهمها أصلًا.
اللافت
في الكتاب ليس ما تقوله أدوات الذكاء الاصطناعي عن أبوغزاله، بل عجزها الجزئي عن
تصنيف تجربته ضمن منطقها البرمجي المعتاد، فهي أمام مشروع لا يقوم على تعظيم الربح
وحده، ولا على التوسّع المؤسسي بمعناه التجاري الضيق، بل على فكرة محورية: أن
الأخلاق يمكن أن تكون بنية تشغيلية، لا مجرد خطاب موازٍ للأعمال.
هنا،
تتحوّل مجموعة أبوغزاله من كيانات اقتصادية إلى ما يشبه "أنظمة قيم"،
يصعب على الذكاء الاصطناعي اختزالها في مؤشرات أداء أو نماذج نجاح تقليدية.
فالتعليم الرقمي المفتوح، وحماية الملكية الفكرية، وبناء المعرفة العربية، ليست
مشاريع منفصلة، بل حلقات في رؤية واحدة ترى أن العدالة المعرفية شرط للتنمية، وأن
السيادة تبدأ من العقل.
في
هذا الإطار، تبدو الجامعة الرقمية التي أسسها أبوغزاله تجسيدًا عمليًا لفكرة
تتجاوز حدود التكنولوجيا نفسها، فهي لا تقوم فقط على إتاحة التعليم، بل على كسر
احتكار المعرفة، وإعادة تعريف الحق في التعلّم بوصفه حقًا إنسانيًا لا امتيازًا
جغرافيًا أو طبقيًا. وهذا ما يجعلها، من منظور الذكاء الاصطناعي، حالة استثنائية
لا تنتمي بالكامل إلى منطق السوق ولا إلى نماذج التعليم التقليدية.
كما
يضيء الكتاب على البعد السياسي غير المباشر في فكر أبوغزاله، خصوصًا في تعامله مع
الملكية الفكرية، ليس كإطار قانوني فحسب، بل كأداة لحماية الإبداع العربي من
التهميش والاستلاب. وهو طرح يتقاطع مع مفهوم السيادة الحديثة، حيث تصبح المعرفة
موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الأرض أو الثروة.
أما
في مجال أخلاقيات الأعمال، فيتجلّى التمايز الأوضح. فحين يتحدث أبوغزاله عن
الأخلاق بوصفها ضرورة تشغيلية، فإنّه يقدّم طرحًا يصطدم مباشرة بثقافة عالمية ترى
في الأخلاق عبئًا تنظيميًا. وهنا، تقف أدوات الذكاء الاصطناعي عند حدٍّ فاصل: فهي
تستطيع توصيف هذه الرؤية، لكنها تعجز عن تفسير دوافعها الإنسانية العميقة.
في
المحصلة، لا يقدّم كتاب "العقل الكامن وراء الآلة" شهادة مديح تقليدية،
بل يكشف عن مفارقة لافتة:
آلة
فائقة الذكاء تحاول فهم عقل إنساني قرر أن يسبق عصره أخلاقيًا قبل أن يسبقه تقنيًا.
صادر
عن وكالة أنباء أبوغزاله العالمية
https://www.tag-news.com/