13-abril-2026
أشقاؤنا في الخليج.. اقتصاد يعيد تعريف نفسه
برزت اقتصادات دولنا في الخليج العربي خلال الحرب على إيران بوصفها حالةً تستحق التوقف عندها، ليس لأنها بمنأى عن الأزمات، بل لأنها تقدم نموذجا مختلفا في كيفية التعامل مع هذه الأزمات..
اللافت أن مرونة الاقتصادات الخليجية لا تقوم على رد الفعل، بل على بنية مسبقة صممت لتتحمل الصدمات وبدا ذلك واضحا فيما شهدته الأسواق منذ بداية الحرب خاصة مع اضطراب أسعار الطاقة وتصاعد المخاطر الجيوسياسية.
لقد كانت الحرب اختبارا حقيقيا لهذه النماذج المشرفة. فقد حافظت عملات أهلنا في الخليج والمرتبطة في معظمها بالدولار على استقرارها في وقت شهدت فيه عملات عديدة في العالم النامي تقلبات حادة.
طبعا هذا الاستقرار لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسات نقدية محافظة واحتياطيات مالية كبيرة وقدرة على التدخل عند الحاجة.
وفي قلب هذه القدرة تقف الصناديق السيادية التي تعد من الأكبر عالميا فهي لم تعد مجرد أدوات لحفظ الفوائض النفطية، بل تحولت إلى أذرع استراتيجية للاستثمار العالمي تمتلك القدرة على إعادة توجيه الموارد بسرعة وامتصاص الصدمات حين تضرب الأسواق.
وهذا يعني أن قوة دولنا في الخليج لا تكمن فقط في وفرة الموارد بل في كيفية إدارتها. فخلال السنوات الماضية انتقلت دول الخليج من نموذج يعتمد على النفط كمصدر وحيد للدخل إلى نموذج أكثر تنوعا يستثمر في السياحة والخدمات المالية والتكنولوجيا والصناعة والتقدم العلمي، خاصة في مجال البرمجة التفاعلية (الذكاء الاصطناعي).
وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا التحول لم يكن نظريا بل ترجم إلى مشاريع ملموسة ومراكز عالمية. فمدن حبيبة مثل دبي والرياض والكويت والدوحة والمنامة ومسقط لم تعد مجرد عواصم إقليمية بل أصبحت مراكز مالية وسياحية ذات تأثير عالمي من استضافة كبرى الفعاليات الدولية إلى جذب الاستثمارات والشركات العالمية إلى بناء بيئات أعمال تنافسية.
استطاعت هذه المدن الكريمة أن تعيد تعريف موقعها في الاقتصاد العالمي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التأثير لا يقتصر على الأرقام، بل يمتد إلى ما يمكن تسميته بـ القوة الناعمة حيث تستخدم الثقافة السياحة والانفتاح الاقتصادي والاعلام والعقيدة الوسطية كأدوات تأثير خارج الحدود.
ما يميز التجربة الخليجية أيضا هو سرعة التنفيذ ففي كثير من دول العالم النامي تبقى الخطط حبيسة الأدراج لسنوات. لكن الفجوة الزمنية في الخليج تظل قصيرة بين الإعلان والتنفيذ. فالمشاريع الكبرى تطلق وتنفذ بوتيرة لافتة ما يعكس كفاءة إدارية وقدرة على اتخاذ القرار بسرعة وهي ميزة حاسمة في عالم يتغير بسرعة.
الحمد لله أن هذه الكفاءة لم تمر دون ملاحظة، فالمراقبون ينظرون إلى اقتصادات الخليج كنماذج طموحة للتحول الاقتصادي في العالم النامي. وهذا ليس بسبب حجم الاستثمارات فقط، بل بسبب القدرة على تحويل الرؤية إلى واقع أي أن التحول هنا ليس شعارات ورؤى، بل عملية مستمرة تقاس بنتائج ملموسة. ومع ذلك لا يعني هذا أن الطريق خال من التحديات. فالاعتماد الجزئي على النفط لا يزال قائما والتقلبات في أسواق الطاقة تظل عامل ضغط محتمل. لكن الفارق أن دول الخليج لم تعد تنتظر هذه التقلبات لتتحرك بل تعمل استباقيا على بناء اقتصاد أكثر تنوعا وأقل عرضة للصدمات.
نشعر بالفخر حين تقدم اقتصادات دولنا في الخليج العربي نموذجا مختلفا في التعامل مع عالم مضطرب من قدرة على الصمود مدعومة برؤية للتحول وسرعة في التنفيذ. وهذا المزيج بقناعتي هو ما يجعلها لا تكتفي بتجاوز الأزمات، بل تستخدمها كفرص لإعادة التموضع وتعزيز حضورها العالمي.
د. طلال أبو غزاله