16-marzo-2026
لماذا لا يُعد التضامن العالمي خياراً
طلال أبوغزاله
يدخل المجتمع الدولي مرحلة من عدم اليقين
الكبير في ظل قرارات الولايات المتحدة الأخيرة بالانسحاب من 66 منظمة دولية، بما
في ذلك 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة، وهو ما خلق لحظة من القلق العميق بشأن
التعاون الدولي. تثير هذه التطورات تساؤلات ملحّة حول مستقبل العمل الجماعي وحماية
الفئات الأكثر ضعفاً. كما أنها تسلط الضوء على هشاشة الهياكل التي تدعم المسؤولية
المشتركة وتكفل مبادئ التضامن الدولي.
لهذه الانسحابات عواقب بالغة الخطورة. فمن
المتوقع أن يؤدي خفض التمويل للمساعدات الإنسانية العالمية وبرامج الصحة إلى ما
يقرب من مليون وفاة إضافية سنوياً وفقاً لأبحاث مركز التنمية العالمية. وتشير
دراسة أجراها معهد برشلونة للصحة العالمية والمؤسسات الشريكة إلى أن التخفيضات
المشتركة في المساعدات الأمريكية والأوروبية قد تتسبب في ما يصل إلى 22.6 مليون
وفاة إضافية بحلول عام 2030، بما في ذلك أكثر من 5 ملايين طفل دون سن الخامسة.
وتمثل هذه الأرقام ليس فقط أزمة إنسانية، بل أيضاً فشلاً في الوفاء بالالتزامات
طويلة الأمد تجاه الرفاه العالمي.
ويعتبر قرار الانسحاب من الوكالات التي تدعم
النساء والفتيات أمراً مقلقاً بشكل خاص. فمؤسسات مثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة
وصندوق الأمم المتحدة للسكان توفر خدمات أساسية تشمل الرعاية الصحية للأمومة،
والحماية القانونية، ودعم الناجيات من العنف. كما سيؤدي انسحاب الدعم عن هذه
المؤسسات إلى تعميق أوجه عدم المساواة القائمة، وتعريض النساء والفتيات لمخاطر
أكبر من العنف والاستغلال والإقصاء.
تتطلب هذه اللحظة استجابة واضحة ومبدئية. كما
تدعو للتأمل فيما أكدت قناعتي به منذ زمن بعيد وهو أهمية المؤسسات القوية والمتعددة
الأطراف، والتنمية المبنية على المعرفة، والقيادة الأخلاقية. ما يتيح مساراً
بنّاءً للمضي قدماً، قائما على الاعتقاد بأن الأزمات العالمية يجب أن تُواجه
بالابتكار والعمل الجماعي بدلاً من الانعزال.
لقد كررت مراراً القول إن التحديات العالمية لا
يمكن أن تُعالج من قبل أي دولة بمفردها. وأدعو الآن إلى أنظمة حكم شفافة تعتمد على
التكنولوجيا تعزز ثقة الجمهور وتزيد من فعالية المؤسسات الدولية. هذا النهج يكتسب أهمية
خاصة اليوم، حيث تهدد المعلومات المضللة والانقسامات السياسية ثقة الناس في الأطر
متعددة الأطراف. ويمكن للتحول الرقمي أن يدعم حوكمة عالمية أكثر شفافية وشمولية
ويعزز شرعية المنظمات الدولية.
كما تؤكد الحالة الراهنة على ضرورة حماية
وتوسيع الفرص أمام النساء والفتيات. لقد طالما أكدت أن التعليم هو حجر الزاوية
للتنمية البشرية، وأن تمكين النساء أمر أساسي لبناء مجتمعات قادرة على الصمود. فعدد
الفتيات غير الملتحقات بالمدارس يبلغ بالفعل 122 مليون فتاة على مستوى العالم. ومن
المتوقع أن يرتفع هذا العدد مع تراجع الدعم للتعليم في السياقات الهشة. كما أن ضمان
الوصول إلى التعليم ليس مجرد مسؤولية أخلاقية، بل هو أيضاً استثمار استراتيجي في
الاستقرار العالمي.
ومن خلال تفاعلاتي في مجال التجارة العالمية، فإنني
أجزم بوجود رغبة واضحة في التعاون الدولي داخل أروقة التجارة العالمية. وترى
الغالبية العظمى من الشركات والدول أن التعاون العالمي ضروري لتعزيز التجارة
والصحة وحقوق الإنسان ومنع النزاعات، ما يعكس الثقة القوية في مؤسسات مثل الأمم
المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، ومنظمة الصحة العالمية. كما يؤكد الحاجة إلى
إعادة الانخراط لتقوية هذه المؤسسات والحفاظ على المسؤوليات العالمية المشتركة.
مع أن انسحاب قوة كبرى من الهيئات الدولية
الرئيسية يشكل انتكاسة، لكنه لا يقلل من الالتزام العالمي بالتعاون. بل يعزز الحاجة
إلى أن تلتزم جميع الدول والمؤسسات بقيم التضامن والتقدم المشترك. ومن خلال
التضامن العالمي، يمكننا ضمان عدم تخلف أي مجتمع عن الركب في مواجهة تحديات معقدة
ومترابطة، والتي أعتقد أنها ستزداد تعقيداً في ضوء الواقع العالمي الذي يواجهنا.