أمة «اقرأ» في عصر التضاعف المعرفي

05-enero-2026

أمة «اقرأ» في عصر التضاعف المعرفي

هل تصدق حديث المتشائمين.. لا أنا ولا الكثير يفعل، لكن ماذا لو قلت لك إن إنتاج المعرفة في المجالات التقنية يتضاعف كل اثني عشر شهرًا واللغة الإنجليزية تهيمن على قرابة 68% من المنشورات العلمية، والسؤال الذي يقفز إلى ذهني أين نحن كعرب في هذا السباق الذي يحدد مستقبل الاقتصاد والأمن والمعرفة وجودة الحياة، نحن أمة اقرأ التي صنعت الحضارة، وسجلت بصماتها على خريطة المعرفة العالمية، ومع ذلك نجد أنفسنا اليوم هامش الثورة المعرفية، بينما تتقدم دول أخرى بخطوات مدروسة تستثمر فيها كل فراغ، وكل لغة، وكل باحث.

طبعا هنالك مقدمات تقود إلى نتائج فالتخلف لم يأت من فراغ، بل من تراكم سياسات وقرارات قدمت استثمار الموارد المحدودة في السياسات التقليدية بدل البحث العلمي وتركت ميدان التعليم للتلقين والتقليد، فحتى المتفائلون يعرفون أن إنتاج المعرفة شبه معطل أو أنه في أحسن احواله مترنحًا بين أيدي أجيال متعطشة للفهم، ولكن مقيدة بالإمكانات.

إذن تتضاعف البيانات التقنية سنويًا ولغتنا العربية لا تجد لها نصيبًا يذكر والسؤال الثاني الذي يقفز إلى ذهني كيف لنا المشاركة الفاعلة في شبكات الابتكار العالمية أو حتى عرض المنطقة كبيئة إنتاج معرفي موثوق وذو مردود اقتصادي.

حتى المتفائلون يعرفون الانعكاسات الاقتصادية لهذا التراجع لان المعرفة ليست مجرد محتوى نظري، بل أداة مباشرة لتشكيل الأسواق وخفض تكاليف الإنتاج وتسريع الابتكار، وتحفيز النمو، وإذا كان هذا حال المتفائلين فما حال المتشائمين
أيها السادة ببساطة الشركات والدول التي تتمكن من امتلاك أنظمة تحليل بيانات متقدمة وتوظيف المعرفة في سلاسل الإمداد هي القادرة على الصمود والتقدم ومواجهة الصدمات التضخمية والتقلبات الاقتصادية.

لنأخذ كوريا الجنوبية وسنغافورة كحالتين وكيف حولتا الاستثمار في المعرفة إلى قوة اقتصادية ملموسة على الناتج المحلي وفرص العمل وجودة الحياة.

العربي أيضًا متأثر بهذا الواقع فدفق المعلومات الهائل لا يعني بالضرورة الوصول إلى المعرفة الحقيقية، وهنا تزداد الحاجة إلى المناعة المعرفية كقدرة على فرز الحقائق من الأكاذيب، على استخدام البيانات لتطوير السياسات الاقتصادية والتجارية، وعلى تعزيز دور التعليم الجامعي والبحثي في إنتاج مواطنين قادرين على التفكير النقدي والتفاعل مع العالم الرقمي بوعي.

أيها السادة إذا أردنا التحول من المتأخرين إلى الفاعلين، لا بد من إعادة ترتيب الأولويات والعمل على حماية لغتنا وبناء مناعة معرفية واستثمار المعرفة في التنمية الاقتصادية والاستراتيجية، فالمعرفة سلطة ومسؤولية في آن واحد.
أمة اقرأ إن لم تحسن إدارة ثروتها المعرفية، فلن تفقد مكانتها في الساحة العالمية فحسب، بل ستفقد القدرة على حماية استقلالها الاقتصادي والثقافي وستظل مجرد مشاهد غافل عن رحلة المعرفة التي تقودها أمم أخرى.
الطريق ليس مستحيلاً فقد قلنا في البداية اننا لسنا متشائمين، لكن الطريق يحتاج إلى قرار واستراتيجية واضحة وإلى سياسات تنقل أمتنا من هامش الفاعلية إلى صدارة المنافسة، البقاء على الوضع الحالي، بل إقرار بأن أمة اقرأ ليست صاحبة يد عليا في عالم المعرفة.

د. طلال أبوغزاله



AI

TAG AI

Welcome to the TAG AI!

Ask me anything, and I'll do my best to help you.

login