03-May-2026
من الأخضر إلى الأصفر.. سيرة الخطوط في الرواية الصهيونية
طلال
أبوغزاله
في غزة الجريحة وبعد أن نفذ الصهاينة جميع الانتهاكات
والجرائم التي لا يمكن للإنسانية تخيلها قد لا نحتاج إلى كثير من التحليل لفهم ما
يجري يكفي أن نتأمل الخط الأصفر لندرك أن المسألة ماهي إلا لحظة مفضوحة من مشروع
قديم يتقن تغيير جلده دون أن يغير جوهره، خط يرسم اليوم ثم يقدم غدا كأمر واقع
وبعده يبدأ النقاش والمفاوضات والتنازلات حول كيف نتعايش معه.
هذا ديدنهم منذ الأزل قضم الأرض على مراحل وتبرير كل
مرحلة برواية جاهزة، فقط الأسلوب واللغة تتبدل لكن النتيجة واحدة مزيد من الأرض
تحت سيطرة الاحتلال ومزيد من الأهالي خارجها أو محاصرين فيها.
إذن الخط الأصفر فكرة تعمل بكفاءة لأسباب يطول شرحها
ولا ضير من ذكر أحد هذه الأسباب وهو التواطؤ الدولي والصمت العربي وفي النتيجة ما
هو أداة لإعادة تعريف الحدود وربطها بشروط سياسية وعسكرية تجعل استمرارها مرهونا
بقبول الطرف الأضعف بما يملى عليه باعتباره أمرأ واقعا.
في الحالة الغزية المعادلة كانت واضحة ننزع سلاح
المقاومة مقابل تخفيف الخط لكن ما لا يقال صراحة هو أن الخط بمجرد تثبيته يتحول
إلى قاعدة جديدة لا إلى إجراء مؤقت.
طبعا هذا النمط تجاوز غزة فحين يتحدث مجرم الحرب
نتنياهو عن منطقة أمنية تمتد من جنوب لبنان إلى حوض اليرموك فهو يرسم خريطة قضم
وتوسع تتماهى مع ما طرحه السفير الأميركي مايك هاكابي خلال مقابلة أجراها مع
الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون في فبراير الماضي.
وإذا عدنا إلى سجل الخطوط في تاريخ هذا الكيان تتضح
الصورة أكثر من الخط الأخضر عام 1949 إلى الخط الأزرق في جنوب لبنان فالأرجواني في
الجولان وكل خط كان يسوق على
أنه موضوع مؤقت ثم يتحول إلى منصة لخطوة تالية
لإنه لا شيء نهائي في الذهنية الصهيونية إلا مواصلة السرقة والقضم.
وحتى لا تفوت نصف الصورة فهناك بعد آخر لا يقل مركزية
وهو الديموغرافيا فكل خط يرسمه الاحتلال على الأرض يوازيه خط غير مرئي في تركيبتها
السكانية أي أن تقليص المساحة يقابله تضييق الحياة والحركة ودفع الناس إلى التهجير
كخيار أوحد.
ما
يفعله الكيان اليوم عبر هذه الخطوط هو التفاف عملي على هذا الوعي الشعبي العربي
والضمير الإنساني نعم لا ضم رسمي طالما العالم يرفض مصطلح الضم ولو بالأقوال، بل
واقع ميداني ينتج النتيجة ذاتها فالأرض تسرق دون إعلان صريح في انتظار أن يتعب
العالم من الاعتراض.
غزة أمس ولبنان اليوم وهما ليسا استثناء إذا مر دون
كلفة، بل تكثيفا وتهيئة لما هو آت فما يفعله الاحتلال فيهما يمكن تطبيقه في دول
اخرى ولذلك فإن أخطر ما في الخطوط الصهيونية قابليتها للتكرار تحت ذرائع واهية أقل
اثارة للضجيج وأكثر فاعلية في تثبيت الوقائع بانتظار أن تتغير المعادلة التي تسمح
له أن يرسمه أصلا.