29-January-2026
الدولة الكهربائية التي تعيد رسم خريطة القوة
+ A
A -
الصين تمضي بخطى ثابتة نحو بناء نموذجٍ جديد للقوة قائم على التيار الكهربائي الذي يسري في شرايين مصانعها ومدنها وقطاراتها السريعة. ويمكن القول إنها تتحول تدريجيًا إلى ما يمكن تسميته «الدولة الكهربائية»؛ قوة عظمى جديدة تُدار بطاقة الشمس والرياح، وتُغذي طموحها من بطاريات الليثيوم بدل آبار النفط.
هذا التحول ليس صدفةً ولا طفرةً عابرة، بل ثمرة رؤية استراتيجية صاغها الرئيس تشي جين بينغ بهدوء العاقل الذي يعرف أن القرن الحادي والعشرين لن تحكمه القوة العسكرية فقط على أهميتها، بل الخلايا الشمسية، ففي أقل من عقدين، بنت الصين أكبر شبكة للطاقة المتجددة في العالم، واحتكرت معظم سلاسل إنتاج البطاريات والسيارات الكهربائية والألواح الشمسية.
إذن لم تعد بكين مجرد مصنع العالم، بل مختبره الأكبر ومستقبله الأكثر طموحًا فهي تُقدّم نموذجًا مغايرًا للقوة: قوة لا تستنزف الكوكب، بل تُرمّمه، ولا تبتزّ الشعوب، بل تدعوها إلى الشراكة في التنمية.
واللافت انه في حين تواصل بعض القوى الغربية التلويح بالعقوبات وتوزيع الدروس الأخلاقية، تفتح بكين أبوابها للتعاون مع الجنوب العالمي، وتقدّم للعرب مساحة واسعة من الشراكة في مشروعات الطاقة النظيفة والنقل المستدام.
إن من يقرأ ملامح مبادرة الحزام والطريق يدرك أن بكين تفكر بالكهرباء لا بالبندقية، وبالربط بين الشعوب لا بتفريقها. وعليه فإن صعود الصين الكهربائي يحمل للعالم العربي دروسًا ثمينة. فهي تؤكد أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من السيطرة على مصادر الطاقة الحديثة، وأن من يملك التقنية يملك القرار.
والعرب، الذين عاشوا لعقود أسرى لاقتصاد النفط، هم الآن أمام فرصة تاريخية للانخراط في هذه الثورة الخضراء إلى جانب شريكٍ لا ينظر إليهم من علٍ، بل يرى فيهم ركيزة توازن في نظام عالمي جديد آخذ في التشكل.
لقد أدرك الرئيس تشي أن من يضيء العالم بالكهرباء النظيفة يملك مستقبله، وأن من يملك المستقبل يملك القرار.
وهكذا تمضي الصين، بذكاءٍ هادئ وصبرٍ شرقي، نحو موقعها المستحق كقوة كهربائية تقلب موازين التاريخ، وتمنح الإنسانية فرصة لتجديد عقدها مع الكوكب بعيدًا عن ضجيج الإمبراطوريات الغاربة.
طلال ابو غزالة
صحيفة الوطن-مقال اسبوعي