18-January-2026
القارة السمراء والحرب على موارد المستقبل
طلال ابو غزالة
معروف أن العلاقة بين أوروبا والقارة السمراء ما هي إلّا عقود طويلة من الاستغلال يعاد إنتاجها في كل مرحلة بأدوات مختلفة، ذلك أن الأنظمة الاستبدادية وهواة الانقلابات لطالما وجدوا في الدعم الأوروبي رئةً للبقاء، ووسيلة لترسيخ القمع تحت شعار الاستقرار أو التنمية أو مكافحة الهجرة، ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة التحول الأوروبي الراهن نحو الاستثمار في البنية التحتية الإفريقية بوصفه قطيعة أخلاقية مع الماضي، بقدر ما هو محاولة لاستدراك تأخر استراتيجي واضح أمام تمدد صيني ذكي ومنظم.
الأهمية المتزايدة لإفريقيا لا تنبع فقط من حجم مواردها، بل من موقعها داخل معادلة الندرة العالمية، فمع تقلص الاحتياطيات وارتفاع الطلب، باتت القارة تمثل الخزان الاستراتيجي الأخير القادر على تزويد الاقتصاد العالمي بالمواد الأولية، وهذا الواقع دفع قوى كبرى: الصين، الولايات المتحدة، روسيا، وأوروبا إلى الدخول في سباق محموم لحجز موطئ قدم يضمن لها تدفق الموارد ويعيد رسم خرائط التجارة المستقبلية، غير أن أوروبا، بخلاف منافسيها، تحاول تسويق هذا السباق بغطاء استثماري مؤسسي، يخفف من حدة الذاكرة الاستعمارية دون أن يغير جوهر المعادلة.
واليوم وحين تقرر أوروبا مشروع البوابة العالمية باستثمارات تفوق 150 مليار يورو موجهة جزئيًا إلى إفريقيا فإنها لا تسعى لإعادة صياغة العلاقة على أسس تنموية بقدر ما تبحث عن موطئ قدم داخل معركة النفوذ العالمي، فالصين، التي ضخت ما يقارب 160 مليار دولار في القارة نجحت في تحويل الموانئ والسكك الحديدية والممرات التجارية إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، وربطت الموارد الإفريقية مباشرة بسلاسل القيمة الصناعية الآسيوية، وعليه فإن هذا الاختراق لم يهدد فقط النفوذ الأوروبي التقليدي، بل وضع الأمن الصناعي الأوروبي نفسه تحت ضغط متصاعد.
ويقفز ممر لوبيتو بوصفه كرأس الحربة في الاستراتيجية الأوروبية الجديدة، فالممر الذي يربط مناطق التعدين الغنية في زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية بميناء لوبيتو على الساحل الأنغولي، لا يمثل مشروع نقل فحسب، بل شريانًا استراتيجيًا لمعادن حرجة مثل الكوبالت والنحاس، وهي المعادن، التي تشكل العمود الفقري للتحول نحو الطاقة النظيفة وصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، وتشهد طلبًا عالميًا متسارعًا، مع تقديرات تشير إلى احتمال تضاعفه أربع مرات بحلول عام 2040. ورغم أن هذا التنافس يفتح نافذة فرص أمام بعض الدول الإفريقية لتحسين بنيتها التحتية وزيادة تدفق الاستثمارات، لكن المخاطر تبقى قائمة في إعادة إنتاج الماضي الاستعماري المظلم بنسخة أكثر ودية، والسؤل: هل تتحول إفريقيا إلى شريك فعلي داخل سلاسل القيمة العالمية، أم تظل حلبة لإدارة التنافس مهما تبدلت العناوين وتغيرت الأدوات؟