17-October-2022
تحسين البنية التحتية للطاقة المتجددة
تحسين البنية التحتية للطاقة المتجددة
مع استمرار نضوب الوقود الأحفوري، أصبحت الحاجة لإيجاد بدائل حقيقية للطاقة في غاية الأهمية للأمن العالمي، ورفاهية الأجيال القادمة. فوفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن لدينا حوالي 30 عامًا لتغيير طرق استهلاكنا للطاقة جذريًا، والتحول إلى بدائل مستدامة. فلن يتبقى أي وقود أحفوري بالمعنى الحرفي للكلمة بعد عام 2050.
هذا يعني أن ليس لدى كل قطاعات مجتمعاتنا أي خيار سوى التعامل مع هذه الأزمة التي تلوح في الأفق بجدية، واستخدام ما تبقى من وقود أحفوري لتطوير بنى تحتية قوية للطاقة المتجددة، للحفاظ على سير العالم، خاصة وأن هذه المشكلة تتفاقم بسبب التحديات التي يفرضها تغير المناخ، الأمر الذي يجبرنا على تحقيق هدف تحييد انبعاثات الكربون، وفقًا لاتفاقية باريس الملزمة قانونًا، والموقعة في عام 2015، وهدف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030، الذي يدعو لاتخاذ إجراء عاجل لمكافحة التغير المناخي وآثاره.
في مقالي السابق، أشرت إلى أن الكهرباء ستكون مصدر الطاقة الرئيسي لقطاع النقل العالمي. وذكرت أننا بحاحة لتطوير أساليب جديدة لتوليد الكهرباء وتخزينها، حتى يمكننا توليد ما نحتاجه منها، وتخزين الفائض ليستخدم لاحقًا. فلا فائدة تذكر من توليد الكهرباء إذا لم تكن هناك أساليب كافية لتخزينها ونقلها.
إن إنتاج الطاقة يتطلب وضع نظام بيئي، يشمل إنتاجها، وتخزينها، وتوزيعها، والوصول إليها. هذا النظام موجود بالفعل للوقود الأحفوري، ويغطيه من معامل الإنتاج إلى محطات الوقود التي تبيعه للمستهلكين، وكذلك القدرة التقنية على تقديم الدعم والصيانة للمركبات والآلات الصناعية التي تعمل بالبنزين. ولقد كان لدينا حوالي 150 عامًا منذ اختراع محركات الاحتراق الداخلي لبناء مثل هذا النظام البيئي، الذي تطور ونضج بمرور الوقت. والتحدي الذي نواجهه حاليًا، هو بناء إطار عمل مماثل للطاقة المتجددة، وهي مهمة ضخمة، فمن الواضح أن الوقت ليس في صالحنا.
وتكمن المشكلة في أن المصادر التي نحصل منها على الطاقة، مثل الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة الحرارية الجوفية، كلها مصادر متقطعة، وأن حجم الطاقة المولدة يعتمد على أحوال الطقس، التي تكون متقلبة بشدة في بعض المناطق في العالم، مما يؤدي إما لوجود عجز في الطاقة، أو فائض في بعض الأحيان، بسبب تذبذب الإنتاج. وهذا يتطلب أشكالًا أفضل وأرخص وأكثر اعتمادية لتخزين فائض الطاقة، واستخدامه عندما تواجه شبكات الطاقة عجزًا. وفي هذا الصدد، تمضي الابتكارات في تقنيات البطاريات على قدم وساق، خصوصًا مع التوجه نحو السيارات الكهربائية، مما يجعلها أكثر اعتمادية وكفاءة، وأقل كلفة وهذه بلا شك أنباء طيبة للجميع.
علاو على ذلك، يجب تحديث شبكاتنا لنقل الطاقة، فمن الواضح أنها قد عفا عليها الزمن، وأصبحت غير كافية للتعامل مع ضخ الطاقة عبر شبكات واسعة النطاق. فعلى سبيل المثال، تبرز هذه مشكلة على وجه الخصوص في الأيام شديدة الحر، التي ستكون فيها الشبكات مثقلة بالطاقة، ولن يكون لديها القدرة على نقلها. ولقد سلط مختبر الولايات المتحدة الوطني للطاقة المتجددة الضوء على هذا الأمر، بوصفه مشكلة حقيقية، ستستمر في التصاعد مع دخول بنى تحتية متجددة إضافية. كما يجب تحسين حصول المستهلكين على تلك الطاقة، بحيث تصبح بديلًا حقيقيًا للبنزين.
إن سلاسل توريد الطاقة المتجددة يجب أن تتحسن هي الأخرى، كما يجب أن تستثمر الصناعات التي تعتمد على الاستخدام الكثيف للوقود الأحفوري في التقنية اللازمة للانتقال بطريقة فعالة من حيث التكلفة وتمتاز بالكفاءة، وعلى الخبراء أن يساعدوها في ذلك. وهنا يأتي دور الحكومات، التي يجب أن تبدي اهتمامًا بالطاقة المتجددة، وتعزز ثقافة التغيير. كما يجب استقطاب الخبراء في هذا المجال، ووضع استراتيجية واضحة لكل قطاع في المجتمع، مع توفير المنح والدعم والتمويل اللازمين، لمساعدة الشركات على إجراء هذا التحول.
كما يجب أن تكون هناك أيضًا شراكة قوية مع القطاع الخاص، الذي يملك الخبرات اللازمة في هذا المجال، ومؤسساتنا التعليمية، بحيث يمكننا إعداد العقول الذكية اللامعة التي تفهم هذه التقنية، وبناء المؤسسات اللازمة لدعم البينة التحتية للطاقة المتجددة، وصيانتها.
نحن بحاجة إلى أحدث الفنيين، والعلماء، وخبراء الطاقة، والمدارس، فليس لدينا ترف التخلف في هذا المجال الهام، كما فعلنا في السابق، والاعتماد على الخبرات الخارجية، الذي جعلنا رهينة للغير.
يجب على الدول العربية أن تكثف جهودها في هذا الشأن، فالتغيير ماثل في الأفق، رضينا به أم لم نرض. فلا يوجد ما يمنعنا من أن نكون مثل الدول الرائدة في العالم في هذا المجال الابتكاري، إذا تصرفنا بحكمة. لا بد أن نجهز أنفسنا وأمتنا لما هو آت، فلا يمكننا التثاقل في جهودنا للاستثمار في مجال الطاقة الجديدة وبنائها، فبقاؤنا يعتمد عليها بكل معنى الكلمة.