سراب الذكاء الاصطناعي اللغوي
طلال ابوغزاله
أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي الآن قادرة على التفاعل معنا بطلاقة طبيعية في معظم لغات العالم، إلا أنه خلف هذا السطح متعدد اللغات تكمن رؤية عالمية واحدة مهيمنة. وعلى الرغم من أن هذه الطلاقة مثيرة للإعجاب، إلا أنها لا تمثل فهماً حقيقياً، كونها أداء لغوي مبني على أسس تشكّلت إلى حدٍ كبير ببيانات باللغة الإنجليزية، ومعظمها مُنتَج في الولايات المتحدة. وتُظهر أبحاث حديثة أجراها باحثون إندونيسيون أن المستخدمين قد يتحاورون مع هذه الأنظمة بلغتهم المحلية، لكن النصائح المقدمة تعكس افتراضات ثقافية أمريكية تُعلي من شأن الاستقلالية الفردية، والمواجهة المباشرة، والحدود الشخصية، على حساب بناء التوافق والانسجام الاجتماعي الذي يميز الحياة الإندونيسية. يبدو أنه رغم محلية اللغة، فإن المنطق يظل أجنبياً بوضوح.
يُعد هذا الوهم بالمواءمة الثقافية من أخطر المفاهيم الخاطئة المحيطة بالذكاء الاصطناعي اليوم. فهذه الأنظمة تُدرَّب على مجموعات بيانات تهيمن عليها اللغة الإنجليزية بدرجة استثنائية، تصل إلى نحو 90% في بعض النماذج، في حين أن اللغة العربية، رغم كونها من اللغات العالمية الكبرى، لا تمثل سوى أقل من 1% من البيانات المستخدمة في تدريب العديد من النماذج. وحتى عندما تستجيب هذه الأنظمة بلغة أخرى، تشير الدراسات إلى أنها غالباً ما تُجري عملياتها المنطقية داخلياً باللغة الإنجليزية قبل ترجمة المخرجات إلى لغة المستخدم. والنتيجة هي شكل خفي ومستمر من التأثير الثقافي؛ إذ تبقى الرؤية الكامنة في بيانات التدريب كما هي، حتى وإن بدت الكلمات وكأنها تنتمي لثقافة أخرى.
تتضح النتائج عند مطالبة الذكاء الاصطناعي بتفسير مفاهيم ثقافية خاصة. ففي السياق العربي، غالباً ما يتم اختزال مفاهيم مثل “التربية”، التي تشير إلى التنشئة الشاملة أخلاقياً واجتماعياً وروحياً للطفل ضمن الأسرة والمجتمع، إلى مجرد تقنيات تربية أو أساليب انضباط. وهكذا يحوّل الذكاء الاصطناعي القيم الاجتماعية المتجذرة ثقافياً إلى تصنيفات نفسية غربية تركز على الاستقلالية الفردية والمشاعر الشخصية بدلاً من الهوية الجماعية والواجب الاجتماعي. وتخفي طلاقته الظاهرة عجزه عن فهم النسيج الاجتماعي الذي يمنح هذه المفاهيم معناها، لأنه ببساطة لم يُدرَّب عليها.
وما يزيد الأمر خطورة أن هذا التحيز يأتي متخفياً في صورة تعاطف. فعندما يخاطبك الذكاء الاصطناعي بلغتك وبأسلوب دافئ ومهتم، تفترض أنه يفهم عالمك، وأن نصائحه منبثقة من قيمك. غير أن الرؤية المضمَّنة في هذه الأنظمة هي بطبيعتها غربية، لأن البنية التحتية والبيانات والحوافز الاقتصادية التي تقف خلفها غربية. وهذا نتيجة طبيعية لمن يقومون ببناء هذه الأنظمة ولمن تهيمن معرفتهم على الفضاء الرقمي. أما الأثر، فهو عميق؛ إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى قوة صامتة لإعادة تشكيل المفاهيم الثقافية حول الأسرة والتعليم والمسؤولية والهوية.
وقد أدركت الصين هذا الخطر مبكراً، فاختارت مساراً مختلفاً، حيث بنت منظومتها الخاصة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك نماذج مثل DeepSeek وQwen، التي تعكس منطقاً ثقافياً صينياً بدلاً من المعايير الأمريكية. فعند سؤالها عن النزاعات في بيئة العمل، تميل النماذج الصينية إلى اقتراح أساليب تواصل غير مباشر واستراتيجيات تحافظ على الانسجام، بما يتوافق مع القيم الاجتماعية الصينية، بدلاً من المواجهة المباشرة التي تفضلها النماذج الغربية. وهذا لا يمثل استقلالاً تقنياً فحسب، بل سيادة ثقافية أيضاً. وتحاول مناطق أخرى السير في الاتجاه ذاته، إلا أن العديد من هذه الجهود لا تزال تعتمد على نماذج غربية كأساس لها؛ فهي تضيف مفردات محلية، بينما يبقى المنطق الأساسي غربياً، وكأنها تعيد شكل منزل بينما لا تزال أساساته ملكاً لغيرها.
بالنسبة للعالم العربي، تُعد هذه لحظة حاسمة. فإذا اعتمدنا على أنظمة ذكاء اصطناعي غربية، فإننا سنرث افتراضاتها حول ما هو صحيح أو طبيعي أو مرغوب. وسيتلقى أبناؤنا إرشادات مشكّلة بقيم قد لا تعكس قيمنا. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة؛ بل أصبح معلماً ومرشداً ووسيطاً، وقريباً صانع قرار. وإذا لم تكن رؤيته منبثقة منا، فلن يكون مستقبلنا لنا.
وعندما أتأمل أدواري السابقة، سواء في بناء TAG.Global من الصفر، أو في تقديم المشورة لأعلى مستويات الدول العالمية، أتذكر حقيقة بسيطة: إذا لم نصنع أنظمتنا بأنفسنا، فسيقوم الآخرون بتحديد واقعنا نيابةً عنا. لقد تعلمت في وقت مبكر من مسيرتي أن السيادة تُبنى ولا تُمنح، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تُعد السيادة الثقافية بنفس أهمية الاستقلال الاقتصادي أو السياسي. ولا يمكننا أن نسمح بأن تُترجم هويتنا بواسطة أنظمة لم تُدرَّب على تاريخنا أو ثقافتنا أو قيمنا.
إن إتاحة الذكاء الاصطناعي للجميع لا تعني منح الجميع الوصول إلى الأنظمة الغربية ذاتها، بل تعني تمكين الدول والثقافات من بناء نماذج تعكس تقاليدها الفكرية وبُناها الاجتماعية وتطلعاتها الخاصة. وبالنسبة للعالم العربي، فإن ذلك يتطلب أكثر من مجرد إضافة مفردات عربية إلى نماذج أجنبية؛ بل يستلزم بيانات عربية مملوكة عربيا، وهندسة نظم مصممة عربياً، ومؤسسات ذكاء اصطناعي تُدار عربياً، وبنية تحتية رقمية عربية. كما يتطلب استراتيجية إقليمية موحدة تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه ركيزة من ركائز السيادة، لا تقل أهمية عن الطاقة أو التعليم أو الأمن الوطني.