المسؤولية الإنسانية وراء الذكاء الاصطناعي
طلال ابو غزاله
أدركتُ في عام 1965، بعد أول دورة لي في الحاسوب لدى شركة IBM في المملكة المتحدة، أن التكنولوجيا ستصبح إحدى أهم القوى التي توجه مستقبلنا، فأسستُ مجموعة TAG.Global كشركة تكنولوجية في أوائل السبعينيات. ونحن اليوم في عصر رقمي لا تقتصر فيه الآلات على دعم قرارات الإنسان، بل أصبحت تسهم بشكل متزايد في تشكيلها. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول ما إذا كانت قيمنا الأخلاقية قوية بما يكفي لتوجيه هذا التحول، في ظل هذه العلاقة التكافلية بين الإنسان والآلة التي تبني مستقبلنا.
معظم القادة الذين ألتقي بهم يتحدثون بحماس عن فوائد الذكاء الاصطناعي، لكنهم يعبرون أيضًا عن قلقهم من السرعة التي أصبحت بها هذه الأنظمة جزءًا من حياتنا اليومية. وهذه المخاوف مبررة. فعندما تُتخذ قرارات تتعلق بالرعاية الصحية، والتعليم، والعمل، والأمن بواسطة الآلات، يتعين على المجتمعات أن تأخذ بعين الاعتبار احتمال أن تطغى القيم الإنسانية وتضيع وسط الكفاءة التقنية للخوارزميات.
ومن خلال عملي مع الأمم المتحدة، تعلمت مدى صعوبة ضمان العدالة، والشفافية، والمساءلة حتى عندما تُتّخذ القرارات من قبل الإنسان. وتصبح هذه المبادئ أكثر تعقيدًا عندما تتخذ الأنظمة قراراتها اعتمادًا على بيانات لا نفهمها بشكل كامل. فالآلة تستطيع الحساب ، لكنها لا تستطيع فهم العدالة أو الكرامة أو التعاطف. وهذه الصفات هي صفات إنسانية بحتة، ويجب أن تبقى في صميم أطر الحوكمة لدينا.
كما تؤثر التحديات الأخلاقية في مجتمع تقوده الآلات على الهوية الثقافية والعدالة العالمية. وقد دعمتُ طويلًا تمكين دول الجنوب العالمي، وأشعر بالقلق من أن الدول التي تفتقر إلى بنية تحتية تكنولوجية قوية قد تجد نفسها مضطرة لاستخدام أنظمة تم تطويرها في أماكن أخرى. فعندما يستورد مجتمع ما نماذج ذكاء اصطناعي مُدرّبة على بيانات أجنبية، فإنه يستورد أيضًا القيم والافتراضات التي وضعها مطوروها. وهذا يخلق شكلًا جديدًا من الاعتماد يتجاوز الاقتصاد ويمس جوهر الهوية الوطنية.
وبصفتي الرئيس الفخري للمركز العالمي للتميز في الذكاء الاصطناعي، أؤمن بأن المجتمع الذي تقوده الآلات يمكن أن يعزز أسسنا الأخلاقية إذا ما تم توجيهه بهدف وبوضوح. فالتكنولوجيا قادرة على توسيع الوصول إلى التعليم، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة للابتكار عندما يتم تطويرها بشكل مسؤول. ولتحقيق ذلك، يجب أن يكون التفكير الأخلاقي جزءًا من تطوير التكنولوجيا منذ البداية. ويتطلب ذلك وضع قواعد شفافة، وصنع سياسات شاملة، والالتزام بحماية الكرامة الإنسانية في كل بيئة رقمية.
يعتمد مستقبل الأخلاقيات في مجتمع تقوده الآلات على استعدادنا للإصرار على أن يظل الحكم البشري هو السلطة النهائية في القرارات التي تشكل مستقبلنا الجماعي. فالآلات يمكنها معالجة المعلومات بسرعة تفوق أي إنسان، لكنها لا تستطيع تحمل المسؤولية الأخلاقية لتوجيه المجتمع. هذه المسؤولية تقع على عاتقنا نحن. فإذا نسينا ذلك، فإننا نخاطر بخلق عالم تستبدل فيه الكفاءة بالتعاطف. أما إذا تذكرناه، فيمكننا بناء مستقبل تعزز فيه التكنولوجيا عالمنا بدلًا من أن تضعفه.