16-شباط-2026
تآكل فكرة المصلحة العامة العالمية
بدا “دافوس” هذا العام أقرب إلى مرآة محطّمة، تعكس وجوهًا متجاورة بلا صورة جامعة، لا لأن العالم بات أكثر فوضى أو أقل عدالة مما كان، بل لأن الفوضى انتقلت من خانة الاستثناء إلى مقام القاعدة، فيما المفارقة أن المكان الذي وُلدت فيه فكرة إدارة العولمة، أصبح اليوم يطرح سؤالًا أقل طموحًا وأكثر إلحاحًا: هل ما زال ممكنًا تنسيق الحد الأدنى في عالم يتقن الاختلاف أكثر مما يتقن الشراكة؟
فهذا المنتدى الذي شاركت فيه بصفتي عضوًا طويل الأمد في المجلس الاستشاري لمؤشر تنافسية المواهب العالمي الذي يضم نخبة من القيادات والخبراء الدوليين، والذي انطلق في نسخته الأولى بالعام 1971 رافعًا شعار تحسين وضع العالم، لم يُخفق في تشخيص التحديات بدقة، بل على العكس جاءت لغته هذا العام غنية بالتحذيرات، من تسارع التغير المناخي، وهشاشة سلاسل الإمداد، إلى الحروب المفتوحة والمؤجلة، غير أن ما يشي بالقلق الحقيقي ليس حجم هذه التحديات بحد ذاته، بل الهوّة المتزايدة بين الاعتراف بها والقدرة السياسية على ترجمتها إلى فعل جماعي، خاصة أن الواقعية السياسية التي تفرض نفسها اليوم بلا مواربة تقول إن الدول لم تعد تجتمع لبناء نظام دولي، بل لإدارته كل وفق مصالحها الخاصة.
ومن خلال قراءة بعض النقاشات، يمكن القول إن النظام الدولي لم يعد يعاني صراع القوى الكبرى فحسب، بل تآكل فكرة المصلحة العامة العالمية ذاتها؛ فالولايات المتحدة مثلا تقرأ العالم من زاوية المنافسة الاستراتيجية مع الصين، فيما تقف أوروبا في منطقة رمادية بين القلق والعجز الجيوسياسي، وهذا الاختلاف لا يُنتج شللا فقط، بل يعيد تعريف التعاون بوصفه أداة انتقائية، تُستخدم حيث تخدم الحسابات الضيقة.
واللافت في “دافوس 2026” لم يكن ما قيل على المنصات الكبرى، بل ما دار في الهوامش؛ إذ نمت، بعيدًا عن البيانات الختامية الثقيلة، تحالفات غير رسمية أقل ضجيجًا وأكثر براغماتية، هذه التحالفات لا تدّعي تغيير النظام العالمي، لكنها تتعامل مع الواقع كما هو؛ عالم مجزأ يحتاج إلى حلول قطاعية بدلا من وعود شمولية، وهذه المقاربة على ما تنطوي عليه من واقعية تحمل مفارقة عميقة؛ فهي تنجح حيث فشلت المؤسسات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تُكرّس تفكيك السياسة العالمية إلى جزر وظيفية.
وأرى أن هذا التحول يعكس اتساع الفجوة بين النخب التي تتحاور في “دافوس”، والجماهير التي تنظر إلى هذه اللقاءات بوصفها نشاطا مفصولا عن واقعها اليومي؛ حيث يبدو الحديث عن الاستدامة والانتقال الأخضر، في كثير من المجتمعات، ترفًا أمام أزمات المعيشة والهوية.
ومن هنا يمكن القول إن عجز “دافوس” كان في غياب قصة مقنعة تشرح لماذا ينبغي لعالم مُنهك أن يستثمر ما تبقى من ثقته في تعاون لا يرى ثماره، وكما يمكن أيضا قراءة المنتدى بوصفه إشارة مبكرة إلى ملامح النظام الدولي المقبل.
المسألة، إذن، لا تتعلق بما إذا كان “دافوس” قد أخفق أو نجح، بل بما إذا كان يعكس حقيقة لا يرغب كثيرون في مواجهتها وهي أن العالم لم يعد يبحث عن إجماع، بل عن قابلية للاستمرار.
د.طلال ابو غزالة