2026 عام مفصلي للتجارة العالمية

03-شباط-2026

2026 عام مفصلي للتجارة العالمية

تقف التجارة العالمية هذا العام عند لحظة مفصلية. فبينما تواجه قواعد التعددية الضغوط بشكل واضح، تواصل التجارة نفسها إظهار مرونتها، حيث تربط الدول ببعضها وتدعم النمو رغم التحديات السياسية والمؤسسية. تظل منظمة التجارة العالمية (WTO) الساحة المركزية التي تتكشف فيها هذه التوترات.

وتعكس الصعوبات الحالية التي تواجه المنظمة تراجعًا عن القواعد، مدفوعًا بشكل رئيسي من قبل القوى الكبرى. وبينما تشمل أفكار الإصلاح التي تقدمت بها الولايات المتحدة خطوات إيجابية مثل زيادة الانفتاح وتقليل حق النقض، فإنها في الوقت ذاته تتحدى المبادئ الأساسية لنظام التجارة. فجوهرية التعددية تكمن في الاتفاق الجماعي، وعدم التمييز، ومرونة التنمية. وضعف هذه المبادئ قد يحوّل النظام بعيدًا عن التعاون القائم على القواعد نحو مفاوضات تهيمن عليها القوة بشكل رئيسي.

تسلط النزاعات الضوء بشكل متزايد على هذا الضغط، حيث لم يعد التقاضي التجاري محصورًا في أسئلة قانونية محددة، بل يُستخدم الآن للطعن في سياسات أوسع، بما في ذلك الاستراتيجيات الصناعية وأطر الدعم المالي. ويُظهر هذا التحول كيف أصبحت حوكمة التجارة أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع الأولويات الوطنية مع القواعد العالمية بطرق جديدة. وقد أدى شلل هيئة الاستئناف في منظمة التجارة العالمية إلى إضعاف نظام تسوية النزاعات. وأصبحت الترتيبات المؤقتة مثل آلية التحكيم المؤقتة متعددة الأطراف (Multi-Party Interim Appeal Arbitration) هي الوضع الجديد المعتاد.

وبينما توفر هذه الآليات تخفيفًا مؤقتًا، فإنها لا يمكن أن تحل محل الحاجة إلى نظام يعمل بكامل طاقته. وقد غير غياب مثل هذه الآلية بالفعل طريقة إدارة النزاعات وأثر على مستوى الثقة في التجارة العالمية. تسلط الجهود المبذولة لتنويع طرق التجارة بعيدًا عن الممرات الضعيفة، والانخراط الأعمق في مناطق مثل القرن الأفريقي، والدعوات لتعزيز قيادة مجموعة العشرين، الضوء على البحث عن حلول جماعية في زمن عدم اليقين.

وتذكرنا هذه التطورات بأن التجارة ليست مجرد بضائع وخدمات، بل تتعلق بالأمن والمرونة والتعاون بين الدول. في الوقت نفسه، أدى توسع اتفاقيات التجارة الحرة على مستوى العالم إلى وضع إصلاح الجمارك في صدارة الأولويات. فترشيد الرسوم الجمركية، وتصحيح هيكلة الرسوم، وتوضيح قواعد المنشأ، وضبط الإجراءات غير الجمركية تعد خطوات أساسية. وستحدد هذه الإصلاحات ما إذا كان من الممكن للاتفاقيات أن تتحول إلى تنافسية مستدامة ونمو شامل.

تظهر هذه التطورات أن التجارة العالمية، رغم استمرارها في الصمود، إلا أن حوكمتها هشة. وتتمثل القضية الأساسية هنا فيما إذا كان التكيف سيعزز التعاون متعدد الأطراف أو سيدفع النظام نحو مزيد من التفكك. وسيُحدد الناتج من خلال القرارات التي ستتخذ خلال العام المقبل. وكما ذكرت في مناسبات عديدة، فإن منظمة التجارة العالمية بحاجة للإصلاح لتظل فاعلة في عالم متغير. لقد عملت كمستشار لمجلس إدارة منظمة التجارة العالمية والأونكتاد، وكرئيس لمنتدى تطوير السياسات الاقتصادية (EPDF)، وسعيت لتعزيز أسس التجارة العالمية متعددة الأطراف، وهو أمر أساسي للنمو الشامل. وإنني أرى في هذا العام فرصة لتجديد التزامنا العالمي بالعمل الجماعي.

لطالما آمنت بقيمة التعددية كإطار للتجارة وكأساس للثقة بين الدول. فالتجارة ليست مجرد أسواق ورسوم جمركية، بل تتعلق بخلق الفرص للناس، وضمان العدالة، والحفاظ على التنمية في قلب التعاون العالمي، وكل ذلك يصب في صون السلام العالمي. في عام 2026، يجب على العالم أن يقرر ما إذا كان سيعزز المؤسسات التي خدمتنا لعقود أم سيسمح لها أن تزداد ضعفا. ومع الرؤية والتعاون والاحترام للقواعد، يمكننا الحفاظ على النظام متعدد الأطراف وضمان استمرار التجارة في خدمة الإنسانية، وإلا فإن التجارة ستتحول إلى “فوضى شاملة” حيث يفرض الأقوياء وحدهم قواعد اللعبة.

د. طلال أبو غزاله



AI

TAG AI

مرحبا بكم في TAG AI

اسألني عن أي شيء، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك.

login