منظمة التجارة العالمية – نظام الأمس لا يمكنه أن يحكم تجارة المستقبل
طلال أبوغزاله
تواجه منظمة التجارة العالمية لحظة حاسمة في تاريخها. وخلال سنوات خدمتي في فريق الخبراء التابع لها وتقديم المشورة للحكومات بشأن تطور النظام التجاري العالمي، شهدتُ كيف أسهمت المنظمة في تحقيق الاستقرار وإرساء القدرة على التنبؤ في التجارة العالمية. غير أن العالم الذي أُنشئت المنظمة من أجله قد تغيّر الآن بصورة جوهرية. فقد برزت قوى اقتصادية جديدة، واشتدت المنافسة الجيوسياسية، وتجزأت سلاسل التوريد، وبدأت التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي يعيدان تشكيل طبيعة التجارة ذاتها. ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان لمنظمة التجارة العالمية دور في هذا الواقع الجديد، بل كيف يمكنها التكيف مع اقتصاد يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك الذي كان قائماً في عام 1995، عندما تأسست المنظمة.
وكشفت المناقشات الأخيرة خلال المنتدى العام لمنظمة التجارة العالمية لعام2026 بشأن مستقبل المنظمة عن تباين في وجهات النظر من حيث التركيز، إلى جانب إدراك مشترك بضرورة تطوير النظام. ورأت الولايات المتحدة أن تقييم المنظمة ينبغي أن يستند إلى قدرتها على تحقيق نتائج عملية. وأشارت إلى أن تجربة العقود الأخيرة أظهرت أن مؤسسة واحدة لا تستطيع أن تضطلع بهذه المهمة بمفردها وأن تضع قواعد شاملة لجميع الأعضاء. كما شددت على أهمية عمل اللجان، والشفافية، والرصد، داعيةً إلى تعزيز انخراط القطاع الخاص وتوجيه عمل أمانة المنظمة نحو مزيد من التركيز.
بدوره، قدّم الاتحاد الأوروبي رؤيةً أوسع نطاقاً. فهو يرى أن المنظمة ينبغي أن تواصل الاضطلاع بدور محوري في النظام التجاري متعدد الأطراف. ولا يعني الاضطلاع بهذا الدور الحفاظ على الوضع القائم. ويرى الاتحاد الأوروبي أن ثمة حاجة إلى إصلاح النظام استجابةً للتحولات في موازين القوى الاقتصادية والتوسع المتزايد في استخدام السياسات الصناعية. بينما لم تعد القواعد الحالية المتعلقة بالدعم الحكومي والمؤسسات المملوكة للدولة تعكس واقع المنافسة السائد اليوم.
أما البُعد التنموي فقد أضاف بعدا أساسيا آخر إلى النقاش. فقد شددت الهند على أن الإصلاح يجب أن يحافظ على الحيز المتاح أمام الدول في مجال السياسات اللازمة للتصنيع، والأمن الغذائي، والتحول الهيكلي. وبالنسبة إلى البلدان النامية، لا تقتصر التجارة على الوصول إلى الأسواق، بل تتعلق أيضاً بتهيئة الظروف التي تمكّن الاقتصادات من تنويع أنشطتها.
وقد أظهرت التجارة الرقمية كلاً من الإمكانات التي ينطوي عليها النظام وحدوده في آنٍ واحد. فالتكنولوجيا تعيد تشكيل التجارة بوتيرة لا تستطيع القواعد القائمة مواكبتها. وقد يتيح التعاون مساراً عملياً للمضي قدماً، شريطة ألا يؤدي إلى تجزئة المنظمة.
من وجهة نظري، ينبغي أن يكون المسار إلى الأمام تدريجياً. ويتعين أن يركز على تعزيز الشفافية، وإعادة تفعيل آلية تسوية المنازعات، وتحقيق نتائج ملموسة. ولا تزال منظمة التجارة العالمية تؤدي دوراً حيوياً في التجارة العالمية، غير أن الحفاظ على أهميتها في المرحلة الراهنة يتطلب منها أن تثبت جدارتها من خلال التكيف مع عالم تغير كثيراً منذ تأسيسها.