مشاورات الأمم المتحدة الأولية حول الذكاء الاصطناعي لعام 2026
طلال ابو غزاله
دخلت الأمم المتحدة مرحلة مهمة في عملها بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، مع انعقاد مشاورات استمرت طوال شهر نيسان 2026. لقد تشرفت بخدمة عدة هيئات تابعة للأمم المتحدة على مرّ السنوات، بما في ذلك فترة رئاستي للتحالف العالمي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل التنمية، حيث شهدت بشكل مباشر كيف تتطور العمليات الدولية عندما يفرض التغير التكنولوجي على المؤسسات إعادة النظر في افتراضاتها. تشكل المشاورات الحالية، التي تتضمن مساهمات خطية من الحكومات والعلماء والمتخصصين في الصناعة والمجتمع المدني، جزءاً من الحوار العالمي الناشئ حول حوكمة الذكاء الاصطناعي.
وستسهم هذه الجهود في تشكيل البرنامج الرسمي المتوقع في شهر أيار، كما ستمهد الطريق لعقد أول جلسة للحوار العالمي في جنيف خلال قمة “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” العالمية في شهر تموز تحت مظلة الاتحاد الدولي للاتصالات. ويشير ذلك إلى أن الأمم المتحدة تحاول بناء عملية واسعة وشاملة، إلا أن فعالية النتائج ستعتمد على مدى انعكاسها لواقع عالم متغير.
عندما بدأت مسيرتي المهنية في المحاسبة والتدقيق، كانت تهيمن على الاقتصاد العالمي مجموعة صغيرة من القوى الصناعية، وكان للعالم النامي تأثير محدود على صنع القرار العالمي. أما اليوم، فقد تغير الوضع. فقد أدى صعود اقتصادات مجموعة البريكس وتزايد وزن الجنوب العالمي إلى تغيير ميزان القدرات، ويظهر هذا التحول في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والتجارة والبنية التحتية الرقمية. ويسرّع الذكاء الاصطناعي هذه التغيرات بشكل كبير، إذ يكافئ الاستثمار طويل الأمد في المعرفة والتعليم والتخطيط الوطني. فالدول التي تبني أسساً رقمية قوية ستشكل المرحلة القادمة من التنمية العالمية، بينما ستجد الدول التي لا تفعل ذلك نفسها معتمدة على غيرها.
يجب أن تكون الدول قادرة على تصميم وإدارة أنظمتها الرقمية الخاصة، وتدريب كوادرها المتخصصة، وتطوير أطرها التنظيمية. وبالاستناد إلى تجربة TAG.Global كمثال، يمكنني التأكيد على أن الاستثمار في المهارات والبنية التحتية قادر على تحويل المؤسسات وخلق فرص للشباب. وينطبق المبدأ ذاته على الذكاء الاصطناعي. فالدول التي تعتمد كلياً على الأنظمة المستوردة لن تتحكم في مستقبلها، في حين أن الدول التي تبني قدراتها المحلية ستكون قادرة على المشاركة في الابتكار العالمي على قدم المساواة.
تشكل مشاورات الأمم المتحدة فرصة للاعتراف بهذه الحقيقة. إن نموذج الحوكمة الذي يعكس فقط أولويات الدول المتقدمة تكنولوجياً لن يكون مستداماً، وقد تجاوز العالم بالفعل هذه المرحلة. ويجب أن تأخذ المشاورات في الاعتبار تنوع المصالح الوطنية والحاجة إلى إتاحة المعرفة والبنية التحتية بشكل مشترك. كما ينبغي أن تدرك أن العديد من الدول النامية لا تسعى إلى معاملة خاصة، بل إلى فرصة عادلة للمساهمة في التقدم العالمي. وعندما أتحدث مع المبتكرين الشباب، أرى رغبة قوية في المشاركة في اقتصاد المعرفة، وأعتقد أن جميع الدول والشركات يمكن أن تلعب دوراً ذا قيمة إذا استثمرت في الذكاء الاصطناعي والتعليم والبحث والتحول الرقمي.
سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الهياكل الاقتصادية العالمية بطرق أكثر جوهرية مما أحدثته الثورات التكنولوجية السابقة في الصناعة والتجارة. وأود أن أوضح أننا لا نتحدث هنا عن تقنيات سلبية كما في الماضي، بل عن جيل جديد من الآلات والأنظمة الذكية التي تتطلب قواعد جديدة للتعامل. لم نشهد شيئاً مماثلاً في السابق، والدول التي تستعد لهذا التحول ستعزز قدرتها التنافسية، بينما ستواجه الدول التي تتأخر تحديات أكبر. ويمكن لعملية الأمم المتحدة أن تساعد في توجيه هذا التحول، لكنها يجب أن تستند إلى واقع عالم متعدد الأقطاب وفهم دقيق للتكنولوجيا وتداعياتها.
إنني أثني على جميع الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، لا سيما في هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها العالم. فالذين يخططون ويستثمرون اليوم سيتقدمون غداً. فلنحرص جميعاً على أن نكون جزءاً من هذه الثورة لا مجرد متفرجين عليها.