22-September-2025
الأمم المتّحدة مُجددًا
في منتصف العام 2025 قدّمتُ إصداري الأخير: “من الأمم المتّحدة إلى الشعوب المتّحدة“ وهو مجموعة “مقالات “ ناهزتْ العشرين مقالًا، تحدّثت في معظمها عن وجوب “تحديث “ تلك المنظّمة المُسمّاة “الأمم المتّحدة“ التي لم تعد تعمل بموجبِ مُنطلقاتِها الأم، منذ التأسيس في العام “1945“، بل جنحت إلى مخالفة مبادئها في حماية حقوق الشعوب، وراحت تُحاكي مصالحها في محاباة السياسات المتعدّية على حقوق الدول والبلدان المُستقلّة، ولست هنا بصدد إعادة طرح أبرز النقاط التي تمّ التركيز عليها ضمن سياق البحث والتدقيق والمراجعات المبنية على أسس ووقائع موثّقة ومشهودة.
لا أخفي أنّ للكتابة مجددًا عن منظّمة الأمم المتّحدة، تعود إلى الأمم المتّحدة نفسها، حيث صدرَ منذ أيام عن تلك المنظّمة “تقريرًا“ خاصًّا أعدّته لمناسبة احتفاليّتها بمناسبة مرور “80“ عامًا على نشأتها، وصحيح أنّي نوّهتُ سابقًا إلى عدم فاعلية دور الأمم المتّحدة في الزمن الراهن للسياسات الدولية المُنحازة، إلّا أنّني حين كتبتُ عن بعض المآخذ، كنتُ أحتفظ بالكثير من ماء الوجه لتلك المنظمة. لكن الحقيقة المُذهلة في تقاريرها المُوثّقة تحت أروقتها، وبيد الكَتَبَة العاملين في حقولها، عندما وضعوا بالأرقام فاجعة “التهميش“ المُتَعمّد لكيانيّة هذه المنظّمة. ومن الأرقام الصادمة أنّ 1100 تقريرًا سنويًّا تصدر عن الأمم المتّحدة التي تجزم إداراتها أنّ لا أحدَ يقرأ تلك التقارير فعليًّا، وأنّ 27 ألف اجتماع دوليٍّ لها يحضرها ما لا يقلّ عن 240 كيانًا فاعلًا على الصعيد العالمي، لا يصدر عن تلك الاجتماعات الباهظة في عدد مناسباتها، وعديد حضورها، أيّ صدى يُذكر أو أيّ تأثير على أيّ قرار صادر من جهة دولية.
وهذا الاعتراف دليل الترهّل الواقعي الذي تحدّثت عنه مرارًا وتكرارًا في مقالاتي السابقة، والتي جمعتها في إصداري الأخير “من الأمم المتّحدة إلى الشعوب المتّحدة”، والتي نظر إليها البعض نظرة لوم مبطّن، والبعض الآخر اتّهمها بالمغالاة والتجنّي.
وها هي الحقيقة التي دوّنتها كاملة تأتي بلسان أصحابها هذه المرّة لتتطابق مع رؤيتي وحدسي ووجهات نظري الصائبة، والبعيدة عن السطوح والشكليات، والممتدّة للأعماق والأبعاد نتيجة الخبرة والمعرفة والوعي والإدراك الذي أعمل على تطويرها جميعًا، بالإطلاع المتواصل على التفاصيل والحيثيات، كما أبني على أسس ملموسة النُظم والقواعد والاستنتاجات.
لقد سبقَ لي أن حذّرتُ من “تغوّل“ البيروقراطيّة، داخل أروقة الأمم المتّحدة، ودعيتُ مرارًا إلى ضرورة إعادة الهيكلة للتحرير من الأزمات الداخلية والتفرّغ التام إلى الأزمات العالمية السياسيّة العالقة والمفتعلة في آن. وهذا واجب أساسي من واجبات الأمم المتّحدة، لتكون صاحبة كلمة فصل بين الدول المأزومة، لتصبح أكثر ديناميكيّة واستجابة لتحديات العصر، المتفاقمة.
إنّ جوهر النقد الذي بنيتُ عليه مقالاتي السابقة، والتي سأبنيها لاحقًا حتمًا، لا يندرج ضمن أهداف الجَلْد للمنظّمة، لأنها هي نفسها بدأت تُدرك حالة الأعطاب التي طالتها. والتقرير الأخير شاهد على ذلك. إن أهدافي فيما أكتبُ بين اليوم والأمس، واضحة وصريحة وموضوعيّة. أنا أطالب فقط بإعادة تعريف دور هذه المنظّمة، للوقوف على أدواتها وآلياتها كي لا تغدو مجرّد “أرشيف “ عالمي بالي وباهت، وكل ما يهمّني هو التنسيق الفاعل بين الدول والشعوب والذي يعكس حقّاً الإرادة المُشتركة لتمهيد الشارع العالمي، الذي طاله الخراب بفعل الخلافات في الأدوار، والمواقف، والحروب،
والتمادي، والسياسات الرعناء. عندما وضعتُ كتابي “من الأمم.. إلى الشعوب..”، لم يكن هذا الإصدار محاكاةً للترف الفكري، بل كانت قراءة استباقيّة معمّقة لمعظم الأوضاع المُقلِقَة التي نعيشها اليوم. لهذا أتمنّى على الأمم المتّحدة أن تأخذ على عاتقها جديّة النهوض، والانعاش المؤسسي، قبل أن يتحوّل العجز الراهن، إلى عجز مزمن لا يمكن التعافي منه.
طلال أبوغزالة