30-July-2025
معركة الرقائق.. بين رؤيتين متناقضتين
تحتدم المعركة في واشنطن بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الصناعة الأميركية، واحدة تؤمن بأن الإنفاق الحكومي هو الوسيلة الوحيدة لمجاراة الصين وكسر الهيمنة الآسيوية في قطاع التكنولوجيا، والأخرى تراهن على الرسوم الجمركية بدلاً من المنح والإعفاءات.
وفي قلب هذه المعركة يقفز دائماً سؤال المليون: هل يمكن لأميركا أن تنهض بصناعة الرقائق الدقيقة من دون دعم حكومي مباشر؟ وهل تكفي الرسوم الجمركية وحدها لإعادة المصانع والمهارات إلى الداخل الأميركي؟
الأسئلة كثيرة والإجابات لا تزال معلقة وسط تعقيدات الاقتصاد العالمي وتجاذبات السياسة الداخلية وتحديات المنافسة الدولية ما بين الطموح الكبير والمخاوف العميقة.
في آب عام 2022، أطلقت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قانون الرقائق والعلوم كأضخم برامج الدعم الصناعي في التاريخ الأميركي بهدف إحياء صناعة أشباه الموصلات وتقليل الاعتماد على آسيا خاصة تايوان وسط توتر متصاعد مع الصين.
خصَّص القانون 52 مليار دولار كمساعدات مباشرة للشركات، إلى جانب 24 مليار دولار كإعفاءات ضريبية، واستفادت منه شركات كبرى مما حفز استثمارات تجاوزت 400 مليار دولار في الأراضي الأميركية. لكن النقاد وعلى رأسهم ترامب يتساءلون: لماذا تغدق الحكومة الفيدرالية الأموال على شركات تحقق أرباحاً ضخمة أصلاً؟
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، تغير المشهد تماماً، ففي مارس 2025 أعلن ترامب أمام الكونغرس أن هذا القانون أمر فظيع متوعداً بوقفه وإعادة توجيه ما تبقى من أمواله نحو تقليص الدين العام وتمويل أولويات أخرى.
يرى ترامب أن هذه الشركات لا تحتاج للدعم وأن الرابح الأكبر كان الرأسماليون الكبار. ويقترح بدلاً من ذلك فرض رسوم جمركية تجبر الشركات على الإنتاج محلياً وتدر دخلاً للخزينة العامة. في أبريل، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية جديدة شملت معظم دول العالم تراوحت بين 10 % و49 % مع فرض رسوم بنسبة 25 % على واردات السيارات وقطع الغيار، ووصف هذه الرسوم بأنها دواء يهدف إلى معالجة أمراض الاقتصاد الأميركي، معلناً أنه غير قلق بشأن الخسائر التي أفقدت أسواق الأسهم في أنحاء العالم تريليونات الدولارات من قيمتها.
تأثرت الشركات التقنية الكبرى بشكل خاص، حيث خسرت شركة آبل أكثر من 300 مليار دولار من قيمتها السوقية، وتراجعت أسهم شركات مثل أمازون وميتا وإنفيديا بنسب كبيرة، كما تكبدت البنوك العالمية خسائر مجتمعة تزيد عن 700 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال أسبوع واحد وسط مخاوف من ركود اقتصادي محتمل وتباطؤ في الأنشطة الاستثمارية.
في الحقيقة، فإن قانون الرقائق كان محاولة أميركية طموحة لتأمين مستقبل التكنولوجيا، لكنه اليوم يواجه مقصلة السياسة الجديدة. ففي عهد ترامب أصبحت الأولوية واضحة: تقليص النفقات، تعزيز السيادة الصناعية، وإلغاء كل ما يعد هدراً مقنعاً. لكن السياسات الحمائية الجديدة أثارت مخاوف من ركود اقتصادي عالمي ووضعت المواطن الأميركي في مواجهة ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
طلال أبوغزالة