الخطّ الأصفر لابتلاع ما تبقّى من غزّة
في قطاع غزّة المنكوب بعدوّ وحشي، من جهة، وبالصمت والتواطؤ من جهة أخرى، يعرف الأهالي تماماً معنى الخطّ الأصفر من دون الحاجة إلى خرائط وتعليمات أو تقارير صحافية تستند إلى صور أقمار صناعية، فهم اختبروا عدوّهم تماماً، وإلى أيّ مدى يمكن أن يصل في انحطاطه وإجرامه لقوننة التطهير العرقي. كتل إسمنتية مطلية باللون الأصفر التهمت نصف القطاع وتتحرّك رويداً في مفاصله أو بين ملايين أطنان الركام التي خلّفتها آلة الموت الوحشية، فيعرف الأهالي أن لا ملجأ ولا منجى إلا بالفرار لا بالكرار، أي بالنزوح مجدّداً على غير هدى أو بغير وجهة مقصودة.
ففي غياب الردع الدولي، هناك ما هو أسوأ من الإبادة ذاتها: أن تصبح خبراً يومياً لا يثير وعياً ولا ينكأ جرحاً في الضمير، فعندما تغيب صور أرتال الدبّابات من شاشات الأخبار، وتتراجع حدّة المتابعة الميدانية لمصلحة مصطلحات باردة مثل "الهدنة" أو "المناطق العازلة"، يميل العالم سريعاً إلى تصديق أنّ غزّة عبرت من الخطر إلى التهدئة، لكن الواقع يقول عكس هذا.
لم يعد الاحتلال بحاجة إلى آلة الحرب لدكّ المدن والخيام يومياً، لديه الآن أداةٌ أكثر فاعلية وقبولاً دولياً، وهي الخطّ الأصفر، شريط خرساني يبتلع يوماً إثر يوم أجزاءً من أراضٍ ومن حياة القطاع، يزحف بضعة أمتار نحو الغرب، فينكمش القطاع، وتُستقطع مساحات جديدة من أرض يُفترض أنّها "منطقة آمنة". ومع مرور الأسابيع، يتحوّل الاستثناء إلى حدود تُفرض بوصفها أمراً واقعاً، وهذا هو ديدن الاحتلال.
يدرك الكيان أنّ صور جرائم الاحتلال توقظ ضمير العالم، وأنّ حجم التعاطف الشعبي يتزايد في وجدان الخيّرين، لذا لجأ سريعاً إلى صياغة الجريمة بالحديث عن "ترتيبات أمنية" و"مسافة أمان"، وهو يتقن تماماً التلاعب بالمصطلحات وتحويلها إلى مفردات تقنية، فيجعل المجتمع الدولي يتعامل مع المأساة بوصفها إجراءً لتنظيم حركة، لا فعلَ احتلال مباشر. من 53% عند خطّ الانسحاب الأوّل، وصلت المنطقة المقيّدة المرتبطة بسيطرة الاحتلال إلى نحو 64%، بحسب خرائط عسكرية وتحليلات لاحقة. وقدّرت الأمم المتحدة المساحة التي يغطّيها الاحتلال بنحو 65% من القطاع. وقبل أشهر، وجّه مجرم الحرب نتنياهو جيشه إلى توسيع السيطرة، مستهدفاً الوصول أوّلاً إلى 70% من قطاع غزّة، والرهان الصهيوني واضح: كسب الوقت، وتشتيت الانتباه نحو أزمات إقليمية أخرى، حتّى ينسى الجميع أصل الحكاية. ومع الوقت، تتحوّل الخرسانة الصفراء إلى أمر واقع لا يستدعي التوقّف عنده.
لقد جعل الاحتلال الوحشي غزّة أضيق بأهلها؛ وهي التي كانت أصلاً ضيّقةً، تكاد تضيق بأنفاس ناسها. لذا، فإنّ كلّ خطوة يتقدّمها هذا الجدار أو تعبرها تلك الكتلة الصفراء لا تعني خسارة أرقام أو مساحات على ورق الجغرافيا فحسب، بل تعني خنق أُسر كاملة تعيش وسط الركام، وحشر الملايين في مساحة أضيق لا تصلح حتّى لالتقاط الأنفاس، وحين تتشظّى الأرض المتاحة، يصبح كلّ متر يقتطعه الاحتلال ضغطاً مباشراً يمتصّ ما تبقّى من رمق الحياة اليومية.
ربّما كانت هندسة وقف إطلاق النار قد صُمِّمت بالأساس لتعطي انطباعاً كاذباً بأنّ الحرب الوحشية وضعت أوزارها، بينما الحقيقة التي يعيشها الأهالي على الأرض أشدّ مرارة، فحرب القصف بالصواريخ والمسيّرات هدأت قليلاً، لكن حرب الابتلاع والقضم تستمرّ بضراوة أشدّ، وهذا هو جوهر اللعبة: تجميد السلاح الثقيل لإفساح المجال أمام هندسة الضمّ كي تعمل كلّ يوم بلا توقّف.
عدد النازحين ثابت أو يتزايد مع عودة الأهالي من الجنوب، لكن المساحة المتاحة لهم يبتلعها الاحتلال يومياً، فانكمشت الأرض من 47% إلى ما دون ذلك بكثير، وتكديس الكتلة البشرية الضخمة في رقعة تتقلّص باستمرار، لا تتجاوز ثلث مساحة القطاع الأصلية، يعني تحويل كلّ متر مربّع إلى انفجار في أزمات السكن والمياه والصرف الصحّي، أي إنّه خنق ديمغرافي متراكم يُدار بالأرقام والمسافات، وهذا جوهر الإبادة الجماعية وهندسة التطهير العرقي.
وفي ضوء ما تشي به الأرقام، إنّ حصار أكثر من 60% من مساحة القطاع يعني شلّ السلة الغذائية لغزّة، بتعطيل الأراضي الزراعية الشرقية كلّياً، وقطع أيّ أمل في الوصول إلى المناطق المتاخمة لمفرق الشهداء (نتساريم) ومعبر رفح، ما يعني أنّ اقتصاد غزّة المنهك أساساً بعد عامين متواصلين من الحرب والإبادة المباشرة يُحشر اليوم قسراً ليُدار في رقعة ضيّقة لا تتجاوز 30 إلى 35% من مساحة الأرض الأصلية. والسؤال الذي يقفز إلى الذهن في كلّ مرّة: هل هذه هي المساحة المتبقّية التي عليها أن تتحمّل كلّ النشاط الزراعي والتجاري، وأن تكون مأوىً بشرياً لأكثر من مليوني إنسان يخوضون صراعاً يومياً من أجل البقاء؟ أم أنّه المخطّط الذي تحدّث عنه الرئيس ترامب في مطلع فبراير/ شباط من العام الماضي، ويهدف إلى تهجير سكّان قطاع غزّة قسراً وإخضاع القطاع لسيطرة أميركية؟
قبل أيّام، أطلق السياسي الصهيوني موشيه فيغلين (رئيس حزب الهُويّة) تصريحات علنية تدعو صراحة إلى تفريغ قطاع غزّة من سكّانه كلّياً وتخييرهم بين التهجير والموت. وربط مجلس السلام أيّ انسحاب إلى ما وراء الخطّ الأصفر باكتمال نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ومن دون تحديد أيّ سقف زمني مُلزم. هو ارتهان صريح بالمعنى الحرفي للكلمة، أي إنّ بند الانسحاب (الذي يُفترض أنّه حقّ أصيل) تحوّل فعلياً إلى ورقة ابتزاز إضافية لتبرير كلّ تجريف وتأخير على الأرض. وفي المقابل، لا يوجد شرط واحد يكبح التوسّع العسكري غرب هذا الخط. ومن ثمّ، دخل القطاع في معادلة صفرية: قيود مفتوحة على طرف واحد، وحرّية حركة مطلقة للطرف الآخر لترسيخ الأمر الواقع.
إنّها قسمة ضيزى تقود في النهاية إلى أن يظفر الكيان الغاصب بالأرض من دون التزام زمني بالانسحاب، وأن يظفر بسردية الهدنة أمام الرأي العام الدولي، ويربح عمقاً استراتيجياً يصعب التراجع عنه لاحقاً، بينما يخسر الفلسطيني الأرض، ويخسر فسحة العيش والسردية التي رافقت الاتفاق بوصفه خطوةً نحو الانسحاب الكامل، لا خطوة نحو ضمّ زاحف.
الخطّ الأصفر لم يعد خطّاً اليوم، بل الحدّ الأدنى الذي ستُقاس عليه تنازلات الغد كلّها، وكلّ متر يُضاف إليه اليوم يصبح غداً خطَّ بداية جديداً لا خطَّ نهاية، وهذا هو ديدن الاحتلال.