08-五月-2022
النظام العالمي التكنولوجي الجديد
النظام العالمي التكنولوجي الجديد
لقد أدى ظهور التكنولوجيا إلى تحول في القوة؛ من احتكار أمريكا للتكنولوجيا العالمية بالدرجة الأولى، إلى تشتت القوة وتحولها حاليًا إلى الشرق. لقد كان يُنظر إلى أمريكا في السابق بوصفها مركزًا للتكنولوجيا والتفوق، يجذب أفضل العقول، ويبتكر أعظم منتجات التكنولوجيا ليستهلكها العالم.
لكن توافر التكنولوجيا في كل مكان في عصرنا الحالي يعني أن أمريكا لم تعد قطبًا في الساحة العالمية، لأن أدوات الإبداع أصبحت الآن في أيدي الناس في جميع أنحاء العالم. وأصبح العائق الوحيد أمامهم هو أن يصبحوا من العاملين في مجال المعرفة، الذي أصبح معيارًا بحكم الأمر الواقع، خصوصًا في الدول الآسيوية، التي بدأت في تجاوز الأمريكيين، عن طريق تلبية الاحتياجات المحلية والإقليمية للمنتجات والخدمات التكنولوجية.
لقد رأينا في السابق أن شركات التكنولوجيا الأمريكية هي التي كانت تقود الابتكار في مجال التكنولوجيا بشكل رئيسي، وهي نفس الحقبة التي شهدت تأسيس فيس بوك وغوغل، اللذين نستخدمهما حاليًا. صحيح أن الولايات المتحدة لا زالت تحتفظ بمركز قوي جدًا في مجال التكنولوجيا، والابتكار، وحكم القانون، والملكية الفكرية، لكننا نشهد اتجاهًا متصاعدًا لمنافسين إقليميين واعدين في الشرق. فمن الواضح أن الشركات الصينية تفضل ممارسة أعمالها التجارية مع شركات محلية، وذلك لأنها تفهم مشاكلها، وتقدم عنصرًا محليًا يبدو أن الشركات الأمريكية تفتقر إليه.
إنها تشترك في نفس الهموم ومباعث القلق، وتقدم حلولًا تكنولوجية مقبولة ثقافيًا، باستخدام نهج تصاعدي، ينظرون فيه إلى الناس على أنهم أصول يجب إطلاق العنان لها، على عكس النهج التنازلي الغربي، الذي يركز على الناس بوصفهم مشاكل يجب حلها. يمكن رؤية هذا في الشرق مع تغلب شركات التكنولوجيا المحلية على نظيراتها الأمريكية، فمن الواضح أنها تلبي الطلبات المحلية أفضل بكثير من الشركات الأمريكية، مما يعني أن المستهلكين لم يعودوا بحاجة لقبول منتجات التكنولوجيا الأمريكية، ويمكنهم اختيار موردين أكثر انسجامًا مع تفضيلاتهم الثقافية.
يمكن رؤية هذا حاليًا في جميع أنحاء العالم، في أمثلة عديدة لشركات غير أمريكية تتغلب على منافسيها الأمريكيين في أسواق أجنبية. على سبيل المثال، أكبر لاعب في مجال التجارة الإلكترونية في الصين هو "على بابا"، وفي أمريكا الجنوبية هو "ميركادو ليبر"، ولا وجود لــ "أمازون". أكبر تطبيق لسيارات الأجرة في جنوب آسيا هو تطبيق يسمى "جراب"، وليس "أوبر"، الذي يسيطر على الأسواق الغربية. هناك أمثلة أخرى كثيرة مثل هذه، ليس فيها للشركات الأمريكية العملاقة إلا حصة سوقية صغيرة، أو لا شيء على الإطلاق.
إن معظم المجتمعات حول العالم يتألف ثلثاها من شباب عمرهم أقل من خمسة وثلاثين عامًا، وهم لا يفكرون بالعقلية القديمة التي كانت ترى أمريكا قائدًا للعالم الحر. والوصول إلى التكنولوجيا متاح لهم عند أطراف أصابعهم، وهم متحمسون لإحداث فارق، وبناء أحدث الابتكارات التكنولوجية. إنهم يفكرون بطريقة تصاعدية، وغير راضين عمومًا عن الطريقة التي يفرض بها عمالقة التكنولوجيا الأمريكيون الخيارات التكنولوجية عليهم. لقد تعاملوا مع المشاكل بأنفسهم في سبيل بناء علامات تجارية منافسة قوية. إن الموهبة اللازمة لبناء ابتكارات محلية مصممة حسب الطلب متوفرة الآن في كل مكان، وهناك سوق ضحمة يمكن الاستفادة منها، فالجماهير على مستوى العالم تطلب المزيد من المنتجات والخدمات المتوطنة.
ومع أن قطاع التكنولوجيا الأمريكي لا يزال لاعبًا عالميًا قويًا، إلا أنه سيتوجب عليه أن يغير الطريقة التي يتعامل بها مع الأسواق غير الأمريكية. في الماضي، لم يكن ذلك القطاع يراعي الاحتياجات المحلية، بل لم يكن مهتمًا حتى بتأمين الأعمال التجارية خارج الولايات المتحدة، فقد كانت أسواق الدول الناطقة بالإنجليزية كافية. في سوق اليوم، لم يعد هناك فقط رغبة صينية في العمل مع الصينيين، ولكن أيضًا حماس حقيقي لذلك، وذلك لأنهم يفهمون الاحتياجات والثقافة المحلية أفضل بكثير من الأمريكيين.
أعتقد أنه من الواضح تمامًا أن طريقة الشركات الأمريكية في ممارسة الأعمال لم تعد صالحة. في الماضي، كان يمكنهم دخول أسواق استهلاكية كبيرة بدون منافسين، وإسناد الإنتاج إلى أصحاب أرخص عرض مقدم. لقد نجح ذلك بسهولة لأعوام، ولكن مع تطوير السوق الأجنبي لمجموعة مهاراته الخاصة وبدائله، سيكون على الشركات الأمريكية بذل جهود مضاعفة، وتغيير استراتيجيتها، إذا أرادت ضمان أسواق أجنبية.
لقد أصبح لدى العالم الخيار، وعلى أمريكا أن تنتبه إن هي أرادت الحفاظ على سيطرتها على السوق العالمي، وذلك لأن المنافسين في مجال التكنولوجيا يلتحقون بالركب بسرعة.
إن التكنولوجيا هي مستقبلنا، وسيكون من الحكمة للدول التي تريد ضمان دور لها تلعبه في هذا المستقبل الرقمي أن تركز على بناء العاملين في مجال المعرفة، لخدمة هذا القطاع المتنامي باضطراد. لقد كان هذا هو السبب الرئيسي الذي جعلني أؤلف كتاب "العالم المعرفي المتوقّد"، وهو عبارة عن رحلة واقعية إلى المستقبل، توضح كيف ستغير التكنولوجيا مسار التاريخ البشري في الثورة الصناعية الرابعة.
أود في النهاية دعوة أي شخص يرغب في تأمين مكان في مستقبلنا الرقمي إلى قراءة هذا الكتاب، لبناء قدراته في مجالات التكنولوجيا المذكورة آنفًا، التي على وشك إحداث ثورة في الطريقة التي نعيش بها.