14-January-2026
الطاقة، الصناعة والذكاء الاصطناعي – المحاور الجديدة للتنافس التكنولوجي بين الصين والولايات المتحدة
طلال أبوغزاله
لا يتعلق الصراع العالمي من أجل الهيمنة في مجال أشباه الموصلات فقط بالقوة الحاسوبية؛ بل هو معركة من أجل التفوق في القرن الحادي والعشرين. فأشباه الموصلات تشغّل أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا في العالم، وتحدد القوة العسكرية، وتغذي النمو الاقتصادي، وترسّخ النفوذ العالمي. ولعقود طويلة، هيمنت الولايات المتحدة على تصميم وتصنيع أشباه الموصلات. أما اليوم، ومع صعود الصين، فالولايات المتحدة تستخدم هذا التفوق لعرقلة تقدمها (أي الصين)، من خلال فرض قيود تعتقد أنها ستمنع القادة الصينيين من الوصول إلى التكافؤ التكنولوجي. وقد فهمت بكين الرسالة، فضاعفت جهودها لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال أشباه الموصلات، مستثمرة مئات المليارات من الدولارات في التصميم والتصنيع والمعدات والتغليف المحلي.
تُعد الصين بالفعل المورد الأكبر عالميًا لما يُعرف بالرقائق الأساسية أو التقليدية، مثل تلك المستخدمة في السيارات والمنشآت الصناعية وأنظمة الطاقة وغيرها من الإلكترونيات الاستهلاكية الأساسية. قد لا تكون هذه الرقائق أكثر مجالات التكنولوجيا إثارة، لكنها تشكل عنصرًا أساسيًا لاستمرار عمل الاقتصاد العالمي. وقدرة الصين على توفيرها على نطاق واسع بدأت تُحدث تأثيرًا عميقًا على الأسعار وأنظمة التوريد حول العالم. وهذا يُعد دليلًا على القوة الصناعية والتخطيط الوطني. وتذكيرًا بأن القوة التكنولوجية لا تُقاس فقط بالريادة، بل أيضًا بالقدرة على تزويد العالم بما يحتاجه على نطاق واسع.
تواصل شركات تصنيع أشباه الموصلات الصينية تطوير تقنيات متقدمة لمعالجة الرقائق، رغم العقوبات والقيود الأمريكية المفروضة على الوصول إلى أحدث أدوات وتقنيات التصنيع الأمريكية. ورغم أنه يمكن القول إن أشباه الموصلات الصينية لا تزال متأخرة عن نظيراتها في الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية، إلا أنها لا تزال قادرة على تشغيل الأجهزة الحديثة ودعم نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي. ويُظهر التاريخ أن مسار أي دولة تلتزم بتحقيق الاستقلال التكنولوجي، يصبح غير قابل للتراجع.
لقد تحول تركيز الصين من الهيمنة على قطاع الرقائق المتقدمة إلى إنشاء منظومات حوسبة متكاملة، تكون فيها الرقائق مجرد جزء من المعادلة. وتركّز الصين على بناء ذكاء اصطناعي عملي يخدم الصناعة والحكومة والمجتمع، ضمن منظومة تكنولوجية صينية متكاملة. ويقلل هذا النهج من الاعتماد على الولايات المتحدة، كما يتماشى مع احتياجات دول الجنوب العالمي، حيث تكون الكلفة وسهولة الوصول والموثوقية أهم من الأداء النظري. وتواصل منصات الذكاء الاصطناعي الصينية اكتساب حصة سوقية في المناطق النامية. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه طالما أنها تقدم حلولًا فعالة وميسورة التكلفة.
أما الولايات المتحدة، فهي تواجه تحدياتها الخاصة في سعيها لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي قوية تتطلب كميات هائلة من الطاقة، في الوقت الذي تعاني فيه شبكات الكهرباء لديها من ضغوط كبيرة. إذ يتعين عليها أولًا معالجة بعض المشكلات الهيكلية. فبناء هذه الأنظمة يتطلب كميات ضخمة من الطاقة لتشغيلها، والولايات المتحدة تكافح بالفعل لمواكبة الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز البيانات. ويحذر محللون من أن مراكز البيانات الأمريكية قد تُقيَّد قريبًا ليس بسبب نقص الرقائق، بل بسبب محدودية توفر الكهرباء.
في المقابل، تعمل الصين على زيادة قدراتها في مجال الطاقة بوتيرة وحجم يسمحان لها بتشغيل مراكز البيانات باستخدام رقائق الذكاء الاصطناعي الحالية الأقل كفاءة. ويركز الصينيون على ذلك، إضافة إلى تحسين كفاءة خوارزميات الذكاء الاصطناعي لجعلها أقل استهلاكًا للحوسبة والموارد. وتصبح الطاقة الرخيصة والوفيرة ميزة تعويضية حيوية تعزز مكانة الصين في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي. وهذا يذكّرنا بأن القيادة التكنولوجية هي نتاج منظومة متكاملة تشمل الرقائق والطاقة والبنية التحتية والتصنيع والبحث العلمي والاستراتيجية الوطنية.
وأرى أن العالم يتجه نحو نظام عالمي ثنائي القطببية، تنشأ فيه منظومتان تكنولوجيتان منفصلتان، إحداهما صينية والأخرى أمريكية، لكل منهما معاييره وسلاسل التوريد الخاصة به ومجالات نفوذه. ويؤكد هذا التحول أن المرونة، والاعتماد على الذات، والتخطيط طويل الأمد هي المحددات الحقيقية للقيادة التكنولوجية. فأولئك الذين يبنون قدراتهم، ويؤسسون منظومات تكنولوجية متكاملة، ويحلّون معضلة الطاقة، ويتحركون بشكل استراتيجي، هم من سيشكلون المستقبل ويقودون العالم.